هناك تشابه كبير في أسباب وأهداف الحراك أو الثورة في العراق ولبنان، فكلاهما يعانيان من الفقر والبطالة وتدهور مستوى التعليم والخدمات الصحية، والاثنان يهدفان إلى محاربة الفساد الذي استشرى في أجهزة الدولة. كما أن الشعبين يعانيان من غربة تمثيلهما الحقيقي من خلال مجالسهما المنتخبة.

كما أن هناك تشابهاً في الظروف الداخلية التي وضعت الدستور في كل من لبنان والعراق. فقد وضع الدستور اللبناني بهيمنة فرنسية عام 1926، ووضع الدستور العراقي من قبل الحاكم الأميركي للعراق بريمر عام 2005. والمتظاهرون في كلا البلدين يدعون إلى تعديل دستوري يلغي أو يخفف من التوزيع الطائفي للسلطات، الذي يعتبر الأصعب تحقيقه من مطالب المتظاهرين. فهناك تساؤل كبير حول إمكانية تشكيل حكومة أو انتخاب مجلس نواب يتجاوز الطائفية! ولعل من أهم أسباب هذا التشابه هو أن إيران «الثورية» هي الداعمة للأنظمة الطائفية الفاسدة في كل من العراق وإيران. فبالنسبة إلى المرشد الأعلى على خامنئي إن ما يحصل من حراك في كلا البلدين ما هو إلا أعمال شغب تديرها أميركا وإسرائيل ودول المنطقة.

وفي كل من العراق ولبنان، بدأ الحراك عفوياً مع بداية أكتوبر الماضي، ثم انتشر بسرعة متحولاً إلى انتفاضة شعبية شاملة. ومع ضخامة الأعداد المشاركة إلا أنه لم تتشكل قيادة لها. وبالنسبة إلى العراق، اعتدنا أن يكون مثل هذا الحراك بقيادة «سائرون» وهي الكتلة الأكبر في البرلمان التي يرأسها مقتدى الصدر من خارج البرلمان. وعادة ما كانت كتلة «سائرون» ترفع شعارات ضد أميركا وليس ضد إيران. لذا، فجأة وجد الصدر نفسه جزءاً من النظام الذي يطمح المتظاهرون إلى تغييره. ولتخلف كتلة «سائرون» عن قيادة هذا الحراك، دفع ذلك الصدر إلى التقرب من كتل وأحزاب شعبية تقليدية موالية لإيران، بل إن الصدر نفسه ترك العراق ليستقر في إيران أثناء هذه الثورة التي عملت على تقريبه من هادي العامري – رجل إيران القوي في العراق.

وفي الوقت الذي بدأ الحراك في لبنان سلمياً واستمر على هذا المنوال، وجدناه في العراق متحولاً إلى دموي عنيف، مما أدى إلى مقتل أكثر من 481 متظاهراً وجرح الآلاف منذ أول أكتوبر، والذي يرجع إلى أن جو الحريات والوضع الاقتصادي والتعليمي للمتظاهرين في لبنان أفضل من وضعه في العراق. فأحيانا بدت موجة الاحتجاجات في لبنان وكأنها احتفالية. أما في العراق، فقد تعامل معها النظام والميليشيات الموالية له بعنف، خصوصاً مع غياب أي تمثيل سياسي لهؤلاء الشباب في البرلمان. وساعد ذلك تخلي مقتدى الصدر عن دعمهم بعد أن جعلوا من الشعارات المناوئة لإيران بوقف التدخل في الشأن العراقي، شعارهم الرئيسي.

هذا، ويرى ريناد منصور في «فورين أفيرز» Foreign Affairs بتاريخ نوفمبر 2019 أن هذه التظاهرات التي شهدها العراق تهدف إلى استعادة كرامة الإنسان التي تعامل معها النظام بلا مبالاة وقسوة. فقد بلغ غضب الشباب العراقيين - الذي تشكل البطالة بينهم %30 - إلى نقطة الغليان وهم يرون قياداتهم السياسية تكدس الأموال في جيوبها بدل صرفها على مشاريع تنموية. ويبدو أن حراكهم لن يتوقف بضخ مساعدات للشباب هنا وهناك، فهم وراء هدف أعلى هو إحداث تغيير في بنية الحكم التي اعتمد عليها منذ وضع دستور بريمر عام 2005.

لذا، ما يختلف فيه الحراك في العراق عن لبنان هو مقدار الأموال المنهوبة من إيرادات الدولة. فالسرقات في العراق أضخم منها في لبنان، حيث تقدر الإيرادات النفطية منذ سقوط صدام عام 2003 بنحو تريليون دولار. ولم تتمكن هذه الأموال من بناء محطات لتوليد الكهرباء تكفي حاجة العراق بعد. فالأموال والمناصب توزع على الأحزاب الطائفية التي توزعها بدورها على زبانيتها وفقاً لدرجتهم في الحزب. حتى وزارة الخارجية ووفقاً لفرانس برس والذي نشر في القبس في 25 /‏ 11 /‏ 2019 تم غزوها من رجال دين وأقاربهم غير المتعلمين.

هذا ويتشابه الحراك أو الثورة في لبنان مع مثيلتها في العراق من حيث صعوبة التنبؤ بنهايتهما. فالمتظاهرون يريدون إصلاحات جذرية تتطلب تعديلات دستورية. أما أصحاب السلطة، فإنهم يريدون إحداث تعديلات ترقيعية. والنقطة الأهم لمصلحة الأنظمة تأتي من أن الشعب ممثل بالبرلمان من خلال انتخابات ديموقراطية وإن كانت طائفية أو اثنية. وهذا ينقلنا إلى التساؤل عن إمكانية تشكيل حكومة تكنوقراط من خارج تركيبة الأحزاب الطائفية المهيمنة على البرلمان. ثم هل سيتمكن تكنوقراط من تحقيق إصلاحات من دون دعم سياسي من أحزاب السلطة؟ لذا، أرى أن السلطة في كل من لبنان والعراق في مأزق. كما أن القوى الثائرة في مأزق آخر.

  د. حامد الحمود

Hamed.alajlan@gmail.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات