بول أوستر

بول أوستر

مهاب نصر - 

«كتاب الأوهام» عنوان خادع لرواية الأميركي بول أوستر، الذي طالما اعتاد في أعماله الروائية على موقع المصادفة الحاسم من حياتنا. يعيش كل منا الحياة على أنها أمر يتعلق بحسن التخطيط والتوقع، وأن ما أنجزه فيها كان نتيجة إعداد مسبق، من دون الالتفات لما يسميه أوستر «ثقوبا» تمر منها الصدفة غير المعقولة، والحدث الميلودرامي الذي يبدل حياتنا في لحظة.

فيلم قصير

بطل رواية أوستر «كتاب الأوهام» أستاذ جامعي ينعم بحياة مستقرة مع زوجته وطفليه. تتعرض أسرته الصغيرة تلك لحادث طيران مروع. هكذا يجد الأستاذ الجامعي نفسه في بيت خال إلا من ذكرى تقوض بنيانه النفسي، وتولد لديه نوعا من الرغبة في الانتحار البطيء، كأنه تكفير عن مسؤولية ما. حين يموت أحباؤنا كثيرا ما ينتابنا الشعور بنوع من الذنب، يجذبنا الأموات إلى عالمهم، نلتصق ببقايا آثارهم، روائح ملابسهم وأسرّتهم، الأدوات التي لامست أناملهم يوما ما. كل شيء يبدو موجعا ولا منطقيا.

فنحن لا نعيش من خلال ذواتنا فقط، بل من خلال آخرين، هكذا فإن ما ينقذ حياة بطل «أوستر» من التدمير هو رسالة مجنونة. وكما يحدث لمن هم على حافة المرض النفسي يشاهد الأستاذ الجامعي فيلما كوميديا قصيرا لممثل ومخرج قديم من عشرينات القرن الماضي. تعود ضحكة عابرة على شفة بطلنا تؤكد له أن ثمة حياة هناك، وأن الفيلم كان مجرد «رسالة». هكذا يذهب في رحلات طيران بعيدة باحثا عن نسخ من أفلام «هكتور» الممثل الغامض، الذي رحل فجأة عن العالم من دون أن يدري أحد أميت هو أم حي؟

حياة هكتور الممثل (الميت وفق ما يشاع) تشكل حياة موازية لبطل الرواية. إنه ينخرط فيها بجدية متتبعا آثاره ومنتهيا بتأليف كتاب معتبر عن حياته. لكن مفاجآت الحياة لا تتوقف. بطل الرواية الذي انعزل عن المجتمع وصار فظا، أرعن، راغبا في الموت بأي طريقة، تكفيرا عن موت أحبائه، تصله رسالة لا معقولة أخرى من زوجة هكتور. رحلات والتفافات من الشك واليقين، من الواقع والحلم، من الماضي والحاضر تختلط أوراقها جميعا. ويأتي الحب أيضا كعنصر أساسي في كل حكاية تروى؛ الحب كمصادفة وكشيء رهيب مزلزل. «ألما» تصبح الحبيبة الجديدة لكن بعد موقف مشحون تهدده فيه بالقتل.

بين عالمين

يكتب الرواي (الأستاذ الجامعي الموتور): «كل ما أعرفه أنني لم أخف.. عندما أخرجت ألما ذلك المسدس ووجهته إلى صدري، لم تثر الخوف فيّ بقدر ما أثارت الافتتان.. لقد أدركت أن رصاص هذا المسدس يحتوي فكرة لم تخطر في بالي قط قبل ذلك، لقد كان العالم مملوءا بالثقوب، بفتحات صغيرة من العبث، بشقوق مجهرية يمكن للعقل أن يتسلل منها، وحالما تصبح في الجانب الآخر من أحد تلك الثقوب تتحرر من نفسك، من حياتك ومن موتك». «كتاب الأوهام» هو عنوان معكوس، فهو لا يتحدث عن الخرافة، بل عن الواقع، وكيف يبدل الواقع مكانه مع الخيال كما لعبة الكراسي الموسيقية.

الرواية صدرت ترجمتها عن «المتوسط» بترجمة أسامة منزلجي.

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات