«الحصاد المُر»

د. ولاء حافظ  - 

تبدو الحياة هادئة وتسير على ما تعودت عليه منذ سنوات طوال، ولكن ثمة شيئا اختلف في داخلي. سر ضاق صدري من تحمُّله بين ضلوعي.. بِتُ شاردة طيلة الوقت ولا أكترث للرد، إنما أفضل حالة السلام التي تبدو ظاهرة، بينما تشتعل كل براكين العالم داخلي، تبدأ قصتي عندما شاءت الصدفة البحتة لي الاستماع إلى ما لم أكن أتخيله يوماً ما، عندما عدت إلى منزلي وإذا بأمي وأبي يتناقشان بصوت كان أعلى من أن يلحظا قدومي وطرقي الباب، مما جعلني استخدم مفتاحي الخاص وأدخل فاستمع لهما من دون إذن منهما.. وكل ما سمعته هي عبارة واحدة أو اثنتان على الأكثر،ولكنها كانت كفيلة أن تغيّر حياتي !

كان يقول لأمي: «ألا يكفي أني ربيّت ابنتك وكتبتها باسمي طيلة هذه السنوات؟»، كادت قدماي لا تحملاني من هول الصدمة، فإنه يعلن أنه «ليس أبي!».

خرجت مسرعة لا أعلم كيف، ودموعي تنهمر وكثير من الصور تدور في ذهني.. مَن أنا؟! وهل أمي أجرمت في حق نفسها وحقي؟! وما هي قصتي؟! من أكون؟! وكيف لهذا الرجل الذي لطالما راعاني وعلمني يكون بهذا «التنكر»؟.

ذاك اليوم يا سيدتي لا أستطيع أن أصف لك ماذا حل بي، كدت أُنهي حياتي، ولكن فضول هذه الأسئلة جعلني أعود للمنزل، ورغم ذلك لم أستطع أن انظر في وجه أحدهما أو أنطق بكلمة سواء لأمٍ أو أب ٍكانا لي يوما.

دعيني يا سيدتي أخبرك أني تخرجت لأكون معلمة في مقتبل الحياة، وبالكاد أبدأها، ولكن لا أخفيك سرا صرت أنظر للطالبات والطلبة وأشفق عليهم، هل منهم من هو مثلي قد لا يعرف أباه أو يعيش مع من يظن أنه والده وهو ليس كذلك؟

ولم أمكث طويلاً حتى حانت الفرصة التي جمعتني بأمي ولا ثالث لنا، فما كان مني إلا أن سألتها أولاً «من أكون؟» وهل أنت أمي بالفعل؟! أسئلة كثيرة هاجمتها بها ولم أكتف، بل أقسمت لها إن لم تقل لي كل الحقيقة فسأختفي للأبد.. وهنا جاءت بقية القصة التي لم تزدني إلا خبالا..

أمي الفاضلة كانت زوجة رجل ثريّ في ريعان شبابها، ولكنها كانت في الظل، وكان اتفاقها أن يكون زواجا بلا أبناء، ووافقت أمي لقصر اليد في سبيل مساعدة جدي وجدتي، ولكن وقع المحذور وخافت أمي من العاقبة، ورغم ذلك أخبرته بالأمر فما كان منه سوى أنه «طلّقها» ولم يكتف بذلك، بل اشترط عليها أن تتزوج من يختاره لها ليكتب «الطفل» باسمه، وتحت ضغط الاحتياج للطفل والمال وافقت أمي،

وأتى بذاك الرجل الذي وافق أن يكون أبي ويحسن معاملتي ومعاملة أمي بمقابل يؤمن له حياة كريمة، ولكن شاءت الأقدار يا سيدتي أيضاً أن أكون وحيدته رغم أنفه، فهو رجل «عقيم»، وها أنا عرفت أن أبي هو من باعني، ومن اشتراني في الحقيقة باع نفسه بالمال وأرضى ضميره بالاحتياج. لقد فقدت الأم والأب في وقت واحد، رغم ما عرفته فإن في داخلي شيئاً لا يستطيع مسامحة أمي رغم أني تأكدت من صحة كلامها، ورأيت وثيقة زواجها الأول، لكني صرت أشعر بأنني مسجونة داخل نفسي، وليتني تلك الليلة ضللت الطريق ولم أعد لأسمع تلك الكلمات.

الرد: 

بداية يا عزيزتي دعيني أقول لك إن داخل كل واحد منا قصة هي له أغرب من الخيال، وكثير من الألم يملأ النفوس لكن اعلمي أنك «أنتِ» ولستِ أباك أو أمك «كوني أنتِ» فقط، وصدق من قال: ما يزرعه الآباء يجنيه الأبناء، وقد يكون حصادك " مر"  فالأمر معك شائك جدا، ولكن دعينا نستمع إلى صوت القلب والعقل والضمير كل على حدة حتى تتضح لديك الرؤية ولا يتعثر معك الطريق.

بداية: لا شك أن والدتك أخطأت حينما وافقت على أن تحتفظ بك بشكل غير قانوني، جعل هناك خلطا في الأنساب مما ستترتب عليه أمور كثيرة من ميراث وزواج «عليكِ أن تتحري فيه رأي الشرع» ولكن هي أم وسيدة ضعفت أمام السلطة والمال والفقر.. آثرت أن تحتفظ بك من دون حساب لعاقبة الأمور، وحمدا لله أنها أثبتت لك شرعية البنوة، الأمر الذي قد يشفع لها عندك قدر أُنمُلة. أما بالنسبة للرجل الذي أدى دور الأبوة فهو بالفعل في حكم أبيك وأنتِ «ربيبته» وله عليك حق «البر» بعيداً عن كونه أخطأ في حق نفسه أولاً، وأسهم في هذا «التزوير» فهو بالأخير أسهم في رعايتك.

أما عن الأب الحقيقي، فلا بد أن يعلم أنك عرفتِ بالأمر، وعليك أن تتحري «إخوتك» حتى لا تختلط الأنساب. وتذكري يا عزيزتي أنه معك كل الحق في الحزن والغضب، وليس لك حق الحساب، إنما فقط السؤال والإخبار والتحقق ثم التروي. فالأمر يحتاج لأن تعرفي البُعد الشرعي للأمر والبعد القانوني وما سيترتب عليه، وإلا فالصمت قرارك وخيارك، وأضعف ما تقومين به هو ضرورة معرفة إخوتك إن وجدوا.. أما قدرتك على مسامحة أمك فهو أمر حتمي سيأتي بالتدريج، ريثما يهدأ غضبك وتتفكري في كونها أما لا هدف لها سوى حماية وليدها والحياة بهدوء من دون ايذاء لأحد ورغم ذلك لم تستطع.

عزيزتي.. كل الأمور تحتاج إلى نفس عميق وصمت يكفي لاستعادة الاتزان ثم المضي بالحياة من جديد، ولا داعي أبداً لاجترار المآسي وسرد القصص على مسامعنا كثيراً وعلى مسامع الآخرين.

اهتمي بعملك وأخلصي له، وأحسني اختيار الزوج المناسب.. وعيشي بالحب لا بالانتقام أو الكره أو حتى الغضب، فنيرانه تأكل كل شيء وتذكري أنك «انتِ» من تصنعك.


نستقبل رسائلكم على:

dr.walaa.hafez@alqabas.com.kw

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات