عبدالله سالم السلوم

عبدالله سالم السلوم

للأسف، تأتي تكلفة وقوعنا في شباك الريعية وخيمة! فقد صيرتنا إلى أولئك المنشغلين بتناقل الأحاديث؛ يتصارعون على أتفه القضايا، ويعيرون أهمية لأشياء لا أهمية لها، ويتحدثون بفم ممتلئ من دون عميق بحث وفهم ودراية. فهل نحن على وعي بما جنته أيدينا؟ وبما أوقعنا أنفسنا فيه؟ وهل نحن حقّا مستعدون للبحث عن الحل والبدء في التغيير؟ ما أنا متيّقن منه هو أن فئة ليست بقليلة لا تريد الحل، حتى إن ظهر أمام عينيها؛ فلتلك البيئة مكاسب، وهي أرض خصبة لبعض الأفراد الذين يستغلونها لبناء سيرة ذاتية، تحقّق وصولاً هنا ومكسباً هناك. فكلما كثرت القضايا، وإن قلت أهميتها، كثرت المواقف التي تعد بطولة لكل من يمتطيها بفروسيته المزعومة، وجواده المستعار؛ بغية تسلّق ذلك الهرم.

كانت لتلك المشاريع المتعثّرة، والتي لم تكتمل في موعدها المحدد، وغيرها من قضايا، بشاعتها التي لا تحتمل؛ كالتقصير والتلاعب في مؤسسات الدولة، والتضييق على الرأي والثقافة، وتراجع في مستوى جودة التعليم، وتدنّي مستوى الخدمات الصحية، والتلاعب في الأسواق والمناقصات، إشارة جلية، ووصمة نشهدها حتى يومنا هذا تعطي دلالة واضحة للعيان بأن هذا الهرم الإداري غير قادر على تحقيق نظام مستدام، لا على الصعيد الاقتصادي وحسب، وإنما على كل من الصعيد السياسي والثقافي والاجتماعي أيضا.

وكمواطن محب يرجو ويتطلع الى أن يرى بلاده تزخر بنعيم تستحقه، أفكر متسائلاً، قبيل الوصول إلى مرحلة اللاعودة على جميع الأصعدة، ومن أجل تحقيق الاستدامة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية: أما وجب الالتفات إلى نقاط القوة في ثقافة تمتد متأصّلة في جذور المجتمع منذ أن ابتدأ مشوار الدولة الريعية؟ فما يجب أخذه في الحسبان هو أن نقطة القوة الأساسية لدى المواطن الكويتي تتمثل في قدرته على تكريس جهوده لاستغلال كل ما يتمحور حوله من معطيات وسياسات، تكفل تحقيق فائدته الذاتية، في شتى المجالات ومختلف الأصعدة. ويكمن التحدي الحقيقي في توحيد تلك الجهود المتفرّقة، من أجل تحقيق الاستدامة المرجوة للدولة ككتلة واحدة.

وفي حديثنا عن هذا كله، فإن ما يقودنا لتحقيقه هو الالتزام بالعمل وفق مقومات الاقتصاد الصحي. والاقتصاد الصحي هو ما يتحقق ازدهاره ونموه الصحيح بشكل مستدام، وفقا لما يحققه أفراد المجتمع من فائدة ذاتية. ويعد هذا المفهوم معقّداً بعض الشيء؛ إذ يرمز إلى وجود سياسات داخلية قادرة على استغلال سعي الفرد لتحقيق فائدته الذاتية، في ظل تحقيق فائدة للاقتصاد الكلي للدولة. تلك السياسات قادرة أيضا على الحد من أي ممارسات تحقق الفائدة الذاتية لأصحابها، في حال كان لها تأثير سلبي في اقتصاد الدولة الكلي.

فبعد إعلان رؤية «الكويت ٢٠٣٥» (كويت جديدة)، التي بدت مفتقرة إلى أدنى مقومات الرؤى الاقتصادية المستدامة، والمتمثلة بقائمة من المشاريع العملاقة التي جرى إقرارها مسبقاُ، في ظل فساد إداري وسياسي وبيروقراطية حكومية، بأهداف لا تحقّق الاستدامة الاقتصادية، نستنتج بأن الكوكبة ـــــ بمفهومها السالف الذكر ـــــ غير مؤهّلة بشكل كاف لإدراج أو استخراج تلك السياسات التي تربط بين فائدة الفرد والاقتصاد الكلي للدولة لتحقيق تلك الاستدامة الاقتصادية المرجوة.

إن الاقتصاد المستدام هو الاقتصاد الذي يعتمد على عوائد خارجية، تُدار بمنهجية منفصلة لا مركزية، ناتجة عن إنتاجية محلية، سواء كان أساسها موارد أولية محلية أو خارجية بشرط عدم استنفاد موارد الأجيال القادمة. وتلك المنهجية المنفصلة تعني أن عوائد الاقتصاد الكلي للدولة لا تصب في أعلى الهرم الإداري وحسب، بل تصب في ذلك الهرم، من خلال كل طبقة منه، كما أنها في الوقت نفسه تُدار بشكل منفصل.

وهنا نكون قد بلغنا نقطة الصفر، أو ما يسمى نقطة التحوّل ـــــ إن صح التعبير ـــــ التي نبدأ بها مشوار المرحلة الانتقالية؛ مشواراً أطلقنا عليه اسم رؤية «شعب الكويت ٢٠٣٥» (كويت الاستدامة). هذه الرؤية تقوم باعتمادها على أعلى معايير الرؤى الاقتصادية، كما أنها مؤهلة لمواجهة كل التحديات الناجمة عن قصور التشريع في ما يطبّق وفقاً للدستور الكويتي، آخذة في عين الاعتبار أهم أهداف التنمية المستدامة الموضوعة من قبل الأمم المتحدة، ومكرّسة سعيها الحثيث لتحقيق أعلى استفادة للاقتصاد الكويتي ككتلة واحدة، ولكل فرد من أفراد مجتمعه. (من سلسلة كويت الاستدامة)

عبدالله سالم السلوم

alsalloumabdul@

contact@abdullah.com.kw

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking