المواطن الصالح يرفض التذمُّر والمتذمِّرين من إجراءات الانضباط في الشارع الكويتي ويحضُّهم على ترويض النفس على القبول كي نخرج من الفوضى إلى رحاب الحياة الحرة. والشارع الوجه والواجهة، الذي نطلع به على الآخرين، ويطلع به الآخرون علينا، وسواء وفِّقت الدولة أو لم توفَّق في أن يبدأ الانضباط بالشارع فإن الذي لا شك فيه أن الفوضى في الشارع ليست سوى مظهر واحد من مظاهر العلل التي أصابت حياتنا الاجتماعية والسياسية، والتي ولدت شعوراً بالتسيّب والتهور والانفلات. إنه الشعور الأليم في الضمير من انتشار الانتهازية والنفاق والمحسوبية وتكوين الثروات بلا شرعية.. إلخ. وغير ذلك الشعور الذي جعل المواطن البريء يتصوّر أنه يعيش بلا حماية ولا مستقبل وأنه غريب في وطنه.. غريب بين أهله، ولو أننا تأملنا هذه المظاهر لتبيّنَّا أن معظمها أمراض أصابت الحكومة فانعكس سلوكها على المجتمع والمواطنين.. وسواء أكان تراخي الحكومة في ضبط نفسها أو ضبط أجهزتها تحت ضغط إغراءات سلطتها واستغلال النفوذ، أو كان هذا التراخي نتيجة سبب آخر، فإن الأمر المؤكد أن كل هذا الفساد الذي استشرى بوقاحة ما كان ليبلغ هذه الحدود من القوة والتعدد الجريء والانتشار الهائل في معظم المجالات، لو أن هناك انضباطاً حقيقياً داخل الأجهزة الحكومية، لا يتردد في مواجهة الفساد ومهاجمته في مصادره ومواقعه الحصينة. وعندئذ، لن يكون هناك تسامح مع تكوين الثروات بلا شرعية. ذلك أن الحكومة إذا استقام سلوكها فإنها لن تسمح بمحسوبية ولن تفسح مجالاً للمنافقين والانتهازيين بأن يستغلوا سلطات الدولة أو التواري خلف هذا المسؤول أو ذاك النفوذ والاتجار به وفيه! المفروض أن هذه الدعوة يجب أن توجّه أولاً إلى الحكومة التي تستطيع بالموقف الذي تتخذه أن تجعل لسيادة القانون معنى أو قيمة. وأن تخضع – كالمواطنين تماماً – للقانون من دون أن تدعي لنفسها امتيازاً غير مشروع في التحلل من أحكام القانون.. ولو سلكوا هذا المسلك الدستوري لما ترعرع الفساد وعربد في أغلب المجالات، ولكان انضباط الحكومة وأجهزتها قدوة يحتذى بها في كل المعاملات؛ لا يتحايلون على الجمارك والبنوك، ولا يثيرون الفوضى أو عدم الانضباط في الشارع، ولا يكون شعارهم الغاية تبرر الوسيلة، مهما كانت تلك الوسيلة قذرة وهدّامة وجهنمية.

محمد ناصر السنعوسي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات