التاريخ لم يبدأ اليوم، ومن الخطأ حرق المراحل، فبعد سنوات طوال من الضياع والغياب والسكوت واستغلال النفوذ، يجري رفع راية وشعار الإصلاح ومحاربة الفساد فجأة وبلا مقدمات أو دلائل وامارات، الإصلاح بداية هو التزام بقضية ومبدأ راسخ في صفحة النفس والوجدان، وهو أيضاً منظومة مترابطة من القيم والبرامج والخطط الشاملة، معروف من أين تبدأ، ومتى تنتهي، لتصبح ثقافة سائدة في المجتمع يلتزم بها الجميع بحيث تبدأ بالنفس، فليس من العدل أن تطلب من الآخرين ما لستَ مستعداً لفعله، كما يقول روزفلت.

‏ فمن أراد الإصلاح، فليبدأ بنفسه حتى يقتنع ويثق المجتمع والناس بمدى مصداقية «المصلح»، فيطهر نفسه وتاريخه مما علق بهما من شوائب وبكتيريا تسبح في الماء الآسن لسنوات حتى أصبح يشار إليها بالبنان وترى بالعين المجردة!

لسنا مع طرف ضد آخر مثل غيرنا، ولدينا قدرة على التمييز والإدراك، فلا تخدعنا الشعارات ولا نسبح في عالم الأوهام والخيال، ولا نتبع الأشخاص والاصطفافات، ولا نؤمن بنظرية الفرد الضرورة المنقذ حتى لا نصطدم بالواقع المرير، فالإصلاح ومحاربة الفساد ليسا عملاً فردياً فجائياً طارئاً يستخدم لإقصاء وإزاحة الخصوم وفتح الطريق للوصول إلى الهدف عبر تقديم الشكاوى وتوجيه الاتهامات لكسب ود الجماهير ونيل رضاها كما حصل قبل فترة في ما عرف بما يسمى «بلاغ الكويت»، الذي اتضح لاحقاً أنه مجرد بلاغ كيدي وأقوال مرسلة، فالفساد ليس مالياً فقط، فما فائدة محاربة الفساد المالي «إن وجد» والصمت عن الفساد السياسي والإداري والسكوت عن الاعتداء المباشر على الحقوق والحريات، فالإصلاح في النهاية سلوك سياسي متجذر ونظام متكامل ومشروع دولة وحكم.

شخصياً، لا أثق أبداً بالأشخاص المحكومين بالأنا مهما امتلكوا من قدرات أو اتخذوا من إجراءات، فالفردية لا تبني ولا تصنع وطناً مهما امتلك صاحبها من مقومات، لكننا نثق ونؤمن بالعمل المؤسسي الجماعي من خلال فريق وخطة متكاملة، حجر زاويتها بناء الدولة، وليس خلق الصراعات والمعارك والانشقاقات، فما الفائدة إذا ربحت المال وخسرت البلد، صحيح أن الناس متعطشون للإصلاح ويتطلعون بزهو إلى المستقبل، ولا يزال يحدوهم الأمل بالتجديد والتطوير والبناء، لكن بحسب مارتن لوثر كنغ يجب أن تكون الوسيلة التي نستخدمها بنفس نقاء الغاية التي نسعى إليها.

عموماً، فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يمكن التعامل مع رافعي شعار الإصلاح والدفاع عن المال العام ببراءة وحسن نية، فتاريخهم في التعامل مع قضايا المال العام مشبوه، وتحوطه ظلال كثيفة من الشكوك والظنون وعلامات الاستفهام، فالقضية باختصار: يحاربون فساد الآخرين للدفاع عن فسادهم... فيا عزيزي، تمهل فأولاد عبدالواحد كلهم واحد، كما يقول المثل المغربي.

بسام العسعوسي

@Bassam_Alasousi

info@bassamandbassam.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات