أولى علامات الفساد أن تُوسَّد الأمور لغير أصحابها، فيوضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب، وقد سُئل النبي (صلى الله عليه وسلم)، عن الساعة، فقال: «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»، وعندها يصير الحفاة العراة، رعاة الشاة ــــ وهم أهل الجهل والجفاء ــــ رؤوساً للناس، وأصحاب ثروة ومال، حتى يتطاولوا في البنيان.

عندها، سيكونون هم مَن وُسِّد إليهم الأمر، وهم على هذه الحال من الجهل والجفاء، جباية المال واكتنازه، وليس اصلاح أحوال الناس علما وتعليما، ولا حرصا على مصالحهم وأموال بلدهم، حتى إنه لا يبالون بمن فسد منهم.

فإذا ما وضع الأخيار، ورفع الأشرار، واتخذوا على الناس رؤوسا جهالا، ووسّدت الأمور إليهم ساد الفساد وتفاقم، وانتشرت الرشوة واستفحلت، وانعكست سائر الأحوال، وصُدِّق الكذّاب، وكُذِّب الصادق، وأؤتمن الخائن، وخُوّن الأمين، وتكلّم الجاهل، وأفتى بغير علم، فضلَّ وأضلَّ، بعد أن أصبح العلم جهلاً والجهل علماً.

وهناك، بالفعل من الفاسدين المعروفين بفسادهم من تقلّدوا أو ترأّسوا، أو أصبحوا أعضاء في لجان تبحث في الفساد والرشوة، هؤلاء هم مَن ترتفع أصواتهم بالإصلاح عندما تغلق عنهم صنابير المال، وتخمد عندما ترتفع أجور عمالتهم، فهل لهذا الفساد من نهاية؟!

* * *

روى جورج برنارد شو الكاتب الايرلندي الساخر في مذكراته، عن امرأة جلست بجانبه في احدى الحفلات، والحوار الشهير الذي دار بينهما لغاية قوله: نعرف  من تكونین.

برنارد شو شبّه في روايته بعض السياسيين وحتى الإعلاميين بهذه المرأة، وهذا واقع ملموس لا تخطئه العين، فهناك من يغيّر مواقفه السياسية الانتهازية مئة وثمانين درجة متى ما تغيّرت بورصة الأسعار أو المصالح، بناءً على من يدفع أكثر، فإذا انخفضت أجورهم انقلبوا بين ليلة وضحاها إلى المعارضة، وبدأوا يتحدثون عن النزاهة والوطنية، وهم مِن أفسد الناس أخلاقاً، وأبعدهم عن الأمانة والشرف.

طلال عبدالكريم العرب

talalalarab@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات