تمكّن العلماء في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 2008 من رؤية تشكل واستعادة الذاكرة في خلايا الدماغ. ولهذا الموضوع تأثيرات ليس على الكشف عن عملية أداء أجزاء الدماغ لوظائفها، وإنما على كيفية التعلم، لأن التعلم وإلى حد كبير ناتج عن تشكل الذاكرة، بل إن مثل هذا الاكتشاف يمكن أن يعطي الفرصة لكتابة قصص الخيال العلمي. فالكشف عن تشكل الذاكرة واستعمالها ينقلنا إلى مجال التحكم بالذكاء، كما ينقلنا الى كيفية وعي الإنسان بنفسه والآخرين.

لكن صاحب كتاب «كيف نتعلم How We Learn» بنيديكت كاري Benedict Carey، الذي أشار في فصله الأول الى هذا الإنجاز الإنساني العظيم، الذي مكن العلماء من رؤية تشكل الذاكرة في الدماغ، هدف في البناء على هذا الاكتشاف إلى مراجعة تجارب أجراها علماء نفس تربويون لتحسين التعلم، من خلال قياس أفضل المسارات لزيادة الذاكرة، التي ترتبط بالقدرة على الاستيعاب أو التعلم. فموضوع بنيديكت كاري في كتابه يبحث في فيسيولوجيا الدماغ بطريقة مبسطة للتعرف على وظائفه لأغراض تربوية تعليمية. فيذكر مثلا أن من أهم النتائج التي اكتشفت حول تشريح الدماغ في النصف الثاني من القرن العشرين أن وظائف الدماغ ليست موزعة على كتلته بالتساوي، بمعنى أن هناك آلاف الوظائف موزعة على أجزاء مختلفة من الدماغ.

ومن أكثر وظائف الدماغ جاذبية تلك التي يقوم بها الهيبوكامبوس Hippocampus القريب من مركز الدماغ، والذي يعتبر بوابة الدماغ لتخزين المعلومات الجديدة. وقد جرى اكتشاف دوره، بعدما أزيل الهيبوكامبوس في عملية جراحية، فقد لوحظ أن ذاكرة المريض توقفت عن التخزين لمعلومات جديدة، حتى ولو لدقائق. فقد فشل مريض أن يتذكر معلومة جديدة مثل 1، 2، 3. لكن المعلومات القديمة التي تعلمها المريض قبل إزالة الهيبوكامبوس لم تتأثر، مما يثبت أن دوره يقتصر على تحويل المعلومات الجديدة إلى الجزء الأعلى من الدماغ لتثبت في الذاكرة.

هذا ومع أن الحديث عن فيسيولوجيا الدماغ بالغ التعقيد ويقتصر على المتخصصين، فإن الحديث عن العملية التعليمية من خلال عمل الذاكرة في الدماغ لا يتطلب إلا تجارب بسيطة نسبيا. فمثلا لو طلبنا من مجموعة من الطلاب أن يقرأوا ويتذكروا خمسين كلمة لمدة ساعة، ثم اختبرنا كم عدد الكلمات التي يتذكرونها بعد ساعة، ثم ساعتين، ثم أربع ساعات، ثم يوم، فيومين، للاحظنا أن عدد الكلمات التي يتذكرها المشارك ينحدر بمرور الزمن. مشكلة ما يسمى منحنى النسيان، حيث ينحدر المنحنى بمرور الوقت، ومنحنى النسيان هذا يطلق عليه اسم منحنى هيرمان إيبينغهاوس Ebbinghaus، نسبة إلى العالم الألماني الذي أجرى هذه التجربة في 1880. لكن الإنكليزي فيليب بالارد Philip Ballard اكتشف أخطاء في منحنى ايبينغهاوس، فقد أجرى تجربة لاستعادة الذاكرة عام 1913، وكانت نتائجها مناقضة لنتائج ايبينغهاوس. فقد اكتشف أن في بعض مراحل استعادة الذاكرة لا تتناقص، وإنما تتحسن. وقد أحدث هذا ضجة بين العلماء. لكن الأمور أصبحت أكثر وضوحا بعد أن وجد أن سبب ذلك يرجع إلى أن ايبينغهاوس استعمل كلمات لا معنى لها، بينما استعمل بالارد أبياتاً شعرية. فكانت النتيجة أنه من الممكن أن تتحسن قدرة الإنسان على استعادة الذاكرة بعد مرور الوقت، إذا كانت المادة المطلوب تذكرها مادة ذات معنى ولها موسيقى.

ولعل من أهم ما يتطرق إليه كتاب «كيف نتعلم؟» لبنيديكت كاري، هو بشأن الأبحاث التي أجريت حول طريقة الاستعداد للامتحان أو توزيع ساعات التدريس. فقد لوحظ أنه بشكل عام عندما تتطابق ظروف الامتحان مع ظروف الدراسة للامتحان يكون أداء الطلاب أفضل. فعندما يدرس الطالب مستمعاً إلى موسيقى كلاسيكية، ويؤدي الامتحان تحت هذه الظروف، يكون أداؤه أفضل من آخر درس مستعملاً موسيقى كلاسيكية وأدى الامتحان من دون موسيقى. فالموسيقى مع الموسيقى للدراسة، والهدوء مع الهدوء هما الأفضل.

ومن ناحية أخرى، وجد أن طريقة التحضير للامتحان ليس لها تأثير على أداء الامتحان فقط، وإنما على تذكر المادة الممتحن بها على المدى الطويل. فقد لوحظ أن الطلاب الذين يستعدون مدة أطول للامتحان، بمعنى يبدأون الدراسة قبل الامتحان لمدة ثلاثين ساعة موزعة على عشرة أيام، يكون أداؤهم أفضل من طلاب درسوا ثلاثين ساعة خلال 15 يوماً. كما لوحظ أنهم يتذكرون المادة بشكل أفضل بعد مرور سنوات على الدراسة من هؤلاء، الذين كثفوا دراستهم قبل الامتحان بأيام قليلة.

وأخيراً، لا بد أن أشير إلى أنه مع أن قوة الذاكرة مهمة للتعلم، فإن قليلا من النسيان هو كذلك مهم لتعلم ما هو جديد. وكما يقول الفيلسوف الأميركي وليام جيمس: «عندما نتذكر كل شيء سنكون مرضى كما لو كنا ننسى كل شيء».

 د. حامد الحمود

Hamed.alajlan@gmail.com

@hamedalajlan

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات