ما حدث في مجلس الأمة أخيراً هو محاسبة المصلحين على إصلاحهم، وعقابهم على ما لم يفعلوه، وإخراجهم من منصبهم، ولما يقضوا به سنة واحدة؛ لأنهم بدأوا بمحاسبة المخطئين والمعتدين على المال العام.

الوزيرة جنان محسن رمضان، وزيرة الأشغال العامة وزيرة الدولة لشؤون الإسكان، تسلَّمت منصبها بعد حادثة الأمطار الأخيرة، وما يعرف بتطاير الحصى في شوارع الكويت، وكان المطلوب منها إصلاح «ما أفسده الآخرون»، ولكنّ هؤلاء الآخرين لم يتركوها تكمل عملها الإصلاحي، بل تكالبوا عليها ليبعدوها بسرعة عن عملها، ولمّا تكمل سنة الإصلاح التي بدأتها.

استجواب الوزيرة كان غريباً ولافتاً للنظر لكل من تابعه، فكما قالت السيدة صفاء الهاشم في مرافعتها البليغة «إن الوزيرة فنَّدت محاور الاستجواب جزءاً جزءاً بالأدلة والبراهين»، إلا أن «الإعدام السياسي» كان مُعدّاً لها قبل أن تبدأ، وإخراجها من المجلس كان قراراً متخذاً منذ مدة، في حين يُفترض إخراج الكثير من الوزراء الذين لا ينبغي ان يعودوا أدراجهم إلى مقاعدهم في مجلس الامة!

ومن المستغرب ان المجلس نفسه خالف لائحته الداخلية؛ حيث تنص بوضوح في المادة ١٣٦ «ولا يجوز قفل باب المناقشة في الاستجواب قبل ان يتحدث ثلاثة من طالبي الكلام من كل جانب على الأقل»، واكتفى بالسماع الى عضو واحد في سابقة غير دستورية في ممارسة أخطر أداة رقابية قد توصّل الوزير الى إخراجه من الحياة السياسية الى الأبد!

ومع ان المقولة غير الدستورية ان المجلس «سيد قراراته» لا تصمد امام القاعدة القانونية الاصيلة «لا اجتهاد مقابل النص»، ولكن التراخي في تطبيق اللائحة الداخلية والتشبّث بالدستور أدت الى ما لا تحمد عقباه، والتجاوز على النصوص الصريحة والثوابت البرلمانية المعمول بها في كل البرلمانات العالمية الأصيلة.

أيُعقل لهكذا مجلس ان يحاسب «الوزير المصلح، بينما يُبقي على مَن عليه علامات الاستفهام من دون محاسبة»؟!

هل أصبح مقياس نجاح الوزير هو مقدار تجاوبه مع طلبات الاعضاء، مهما كانت مخالفة للقانون؟!

استجواب الوزيرة جنان قد يدرّس كأحد نماذج الاستخدام الخطأ للأدوات الدستورية، واجتماع الاعضاء على الخطأ، مهما كان الصواب بيّناً وواضحاً.

والسؤال: ماذا يستطيع الوزير البديل ان يفعل أكثر مما فعلت الوزيرة جنان؟ وهل سيعيد الشركات المخالفة للضوابط الى عملها لتعيد أخطاءها من جديد، وكأنك «يا بو زيد ما غزيت»؟!

أظن إذا عُرض هذا الاستجواب على المحكمة الدستورية فستحكم ببطلانه، لأن العوار فيه بيّن، والخلل واضح!

اللهم احفظ ديموقراطيتنا من كل سوء!

ونقول للسيدة جنان: كفاك الله إرهاق نفسك في جوّ موبوء، ليس للمصلح مكان فيه.

عبدالمحسن يوسف جمال

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات