في بلاد العالم الديموقراطية تستقيل حكومات وتتشكل أخرى، ويتفق ائتلاف سياسي وينحل آخر، وقد يستقيل رئيس وزراء وحده أو ربما وزير بمفرده، فتتم الدعوة إلى الانتخابات. كل ما نشاهده مما قد يبدو زوبعات سياسية ما هي إلا نظم ديموقراطية تؤمن بحرية الرأي يسود فيها القانون، حتى على أكبر رأس، ولديها حدود واضحة بين الملكية العامة والخاصة، فلا يمكن للحافي أن يملك قصراً في ليله ظلماء، ولا أن يقترف من خزينة الدولة ويضعها في كبت أمه.

لن نرجع إلى الوراء كثيراً، فخلال 2019 فقط استقالت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي في مايو التي استقال قبلها ديفيد كاميرون، وحتى يوليو كان مجموع الوزراء الفرنسيين الذين استقالوا أحد عشر وزيراً تحت ولاية ماكرون، وفي أغسطس استقال رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي. أما في مارس، فقد استقالت الحكومة الفنلندية، وفي مايو أيضا أعلنت في النمسا انتخابات مبكرة بعد استقالة وزيرة واحدة.

ولو رجعنا لأسباب هذه الاستقالات، لوجدناها اعترافات بعدم القدرة على تنفيذ وعود قطعها الرئيس على نفسه أو فشل في إصلاح قطاعات مهمة كالاقتصاد أو التعليم أو الصحة أو الأمن أو الهجرة، في حكومات تلبي مطالب الشعوب. إن الرؤساء في تلك الأنظمة الديموقراطية سواء خلال ولايتهم أو بعد استقالتهم يظلون تحت المجهر، فأعظم وأشهر قائد أوروبي في النصف الثاني من القرن العشرين هلومت كول، الذي درس القانون في فرانكفورت وتاريخ العلوم السياسية بجامعة هايدلبرغ، مَثل أمام القضاء الألماني لمجرد أن حزبه، وليس هو، قبل تبرعات لم يفصح عنها من الاتحاد الديموقراطي المسيحي. أما رئيس وزراء فرنسا جاك شيراك الذي كان عمدة لباريس، وتلقى تعليمه في نورمال للادارة وفي جامعة هارفرد، وحكم لأربع دورات في حقبتين مختلفتين، فقد اتهم بسوء إدارة المال العام وحكم عليه بالسجن لسنتين مع وقف النفاذ عام 2011، وتم إجباره على الحضور لقاعة المحكمة رغم سوء حالته الصحية. وفي إسرائيل، الديموقراطية الحقيقية في منطقتنا، فقد سجنت رئيس وزرائها أيهود أولمرت الحاصل على بكالويوس بالحقوق وآخر بعلم النفس، بعد إدانته بتلقي رشوة، لمدة سنة ونصف، خرج منها بحالة صحية مزرية.

إن استقالة الحكومات في تلك الدول تعني تغييراً جذرياً في الوجوه والسياسات وإحداث التغيير ومحاربة الفساد. أما الدول التي تعتمد ديموقراطياتها على المحاصصة والفئوية والطائفية والاستيلاء على المال العام، وبعضها تدخلات خارجية كما يحدث الآن في لبنان، فلا أحد يعول على الاستقالة والتغيير الحكومي لأنها ستعود كما كانت بوجه آخر لأنها مكبلة بأيديولوجية غير قابلة للحل.

إننا وإن كنا لا نعول أيضاً على التعديل الحكومي المرتقب إلا إذا كان جذرياً، فإننا نأمل بالتغيير في أهم حقيبة وزارية، التي إذا ما وضعت على مسارها الصحيح، فإنها كفيلة ببناء جيل قادر على دفع عجلة التنمية ومحاربة الفساد، أي تعديل حقيبة التربية.

***

إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

بدر خالد البحر

bdralbhr@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات