«فلان الحلو ضيَّع مفاتيله، أمه طقته وأبوه يحاميله» أهزوجة كويتية ما زالت تتردد في آذاننا، مفادها أن الطفل الفلاني قد أضاع مفاتيله، وهي نوع من حلي الأطفال في ذاك الزمن الجميل توضع في اليدين على هيئة أسورة، وأم هذا الطفل عاقبته بالضرب على هذا الفعل، لكن الأب بحنانه احتواه ودافع عنه. بهذه البساطة كانت النظرة للطفل الكويتي الرضيع الذي لم يفرق في لبس المفاتيل بين الذكر والأنثى، نظرة تدل على أقصى الحنان.

يُسمى الطفل حسب كونه ذكراً أو أنثى عادة على اسم الجد أو الجدة، أو العم أو العمة، أو الخال أو الخالة، أو غير ذلك، ويُختار له من الأسماء ما كان مشتهراً على الألسن في ذاك الزمان، ولا يلتفت للأسماء الحديثة التي قد تحمل المعاني الجميلة، لكنها تعتبر خارجة عن نطاق العرف السائد. ويُختن الطفل عادة في اليوم السابع، ويقام له احتفال بسيط يحضره، خاصة، الأهل والأقارب والجيران، ينثر عليه «النون» وهو في محتوياته كالقرقيعان تقريباً.

طفل ذاك الزمن يولد ويُعتنى به عناية حميمة، فيها العطف والحنان، فالرضاعة الطبيعية هي السائدة، ومن لا تتمكن من رضاعة ابنها لقلة إدرار حليبها، تبعثه لمن تقوم برضاعته من نساء الجيران والأقارب وغيرهن، لذا كثر في ذاك الزمان الأولاد والبنات الإخوة والأخوات من الرضاعة.

لم يعرف الطفل الرضيع آنذاك الحفاظات، بل عرف «التلقافة» وهي قطعة من القماش القطني تؤدي فعل الحفاظة بصورة أقل، وتغسل بعد كل استعمال. ولم يقم بتنظيف الطفل الرضيع وغسل جسده، ذكراً كان أم أنثى، سوى أمه التي تحنو عليه ويرتبط بها جسدياً وروحياً. حنان الأم على وليدها يتمثل أيضاً في حرصها على نومه في سريره (المَنَز) وهو يصنع عادة من سعف النخيل، ويغطى حماية للطفل من الذباب وغيره بـ«التُوْر» وهو قماش قطني شبكي رقيق، وقد تضعه في «الكاروكة» وهي أيضاً سرير يمكن تحريكه أثناء وضع الرضيع فيه بغية المساعدة في نومه نوماً هانئاً.

وفي عرف ذاك الزمان كانت الأم حريصة على صحة وليدها، خاصة معدته وجهازه الهضمي، فهي تسقيه بصورة دورية شهرية أو أكثر «الخروع» وهو دواء مسهل القصد منه تخليص معدته من كل الفضلات، ويستلزم الأمر أن يغيب الطفل عن المدرسة في ذلك اليوم.

وقبل المدرسة، فإن تناول طعام الإفطار أمر لازم، فتعد الأم للأسرة جميعاً طعام الإفطار، يتناولونه بمن فيهم طفل المدرسة، وتحرص على أن يذهب وهو طيب الخاطر، سليم البدن، معافى من أي عارض صحي أو نفسي. طفل ذاك الزمان يذهب مع أقرانه في باص المدرسة الذي يعرف مكان إقامة كل طفل ذهاباً إلى المدرسة وإياباً منها. وكان سائق الباص بمنزلة الأب الذي يحنو على من يحملهم من الأطفال، يسأل عن أحوالهم وأحوال أهاليهم.

تلك بعض أحوال الطفل الكويتي قديماً، ونلاحظ فيها تعلقه بالوالدين، خاصة الأم، خلافاً لهذه الأيام - بصفة عامة - عن تعلقه بالخادمة المربية، أو مدرسته في الحضانة كأم بديلة، وهو خلاف الفطرة السليمة.

د. سعود محمد العصفور

dr.al.asfour@hotmail.co.uk


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات