لا شك في أن المجتمع الذي يحرص أفراده على التواصل والتراحم يكون حصناً منيعاً، وقلعـة صامدة، وتنشأ عن ذلك أسر متماسكة.

وصِلة الرَّحم من الإيمان والتقوى ومن أعظم وسائل القرب من الله سبحانه.

حديثنا في هذا المقال عن العم عبد المحسن عبد الله عبد العزيز المرشد (أبي براك) رحمة الله عليه، حيث كان الراحل – رحمه الله - شخصية متميزة من تجار الكويت الذين يحتذى بهم في أخلاقهم وشهامتهم وفزعتهم في مساندة أقربائهم ومساعدتهم ابتغاء وجه الله الكريم من دون انتظار المقابل، فكان محباً لأهله حريصاً على صلتهم وودهم ودعمهم والوقوف إلى جانبهم في الأفراح والأتراح، وفعلاً كان مثالاً يحتذى للتاجر الأسوة في كويت الماضي.

عمل في التجارة، وفتح الله عليه من أوسع أبواب الخير، ورزقه رزقا طيباً وفيراً، بعدما تعرض لعدة كبوات، فكان يدرك جيداً أن الصبر مفتاح الفرج، وأن بعد العسر يسراً، فما أعظم أن يجود الله تعالى عليك فتجود على أقربائك، وهكذا كان يفعل العم عبد المحسن المرشد مع أقربائه، فكان يجود على ذويه مما رزقه الله تعالى؛ يقول نفر من أهله: كنا نفرح إذا رجع أبو براك إلى الكويت، حيث كان يوزع علينا المصروف الأسبوعي.

ولقد كان في الستينات والسبعينات من القرن الماضي دائم التعهد لأبناء عمومته الذين كان حالهم المادي ليس مرتفعاً، فكثيراً ما كان يتعهدهم بالمساعدات لفك ديونهم أو لإعطائهم مساعدات في بناء بيوتهم أو تزويج أبنائهم أو المساهمة في الحاجات المهمة والملمة.

وكان أبو براك حريصاً على حضور الاجتماع السنوي لعائلة المرشد في الرياض، حيث يروي أحد وجهاء العائلة في الرياض لأحمد نجل التاجر عبد المحسن المرشد - رحمه الله - أثناء استقبالهم له في حفل الاستقبال السنوي، أنه قد أشار إلى جميع الجالسين من أبناء العائلة وقال لهم بصوت عال مرتفع وأمام الجميع: إن كل هؤلاء يا أحمد يدينون بالفضل لوالدك - رحمه الله، فقد ساعدهم جميعاً، ولم يثبت أن أحداً من الجالسين صحح هذه المعلومة أو عارضها، فكانوا يصدقون على ذلك.

في يوم من الأيام كان التاجر عبد المحسن المرشد يتفقد أحد أبناء عمومته والأكبر منه سناً، وهو في ما بعد أصبح عميداً للعائلة، ولكن لم يجده في منطقة «عودة سدير»، فقالوا له: لقد انتقل ابن عمك إلى الرياض، فتوجه أبو براك على الفور إلى الرياض وسأل وتحرى عن ابن عمه، فوجده يعيش وزوجه وأبناءه في منزل متواضع وصغير جداً مكون من غرفة واحدة يعيش فيها هو وزوجه وأبناؤه، فلما سأله أبو براك عن هذا الوضع واستنكر عليه ذلك لأنه لم يخبره بهذه الحال، فقال ابن عمه: والله ماذا أعمل؟ كان هذا هروباً من «الديانة»، وهذه لفظة كويتية تعني «الدائنين»، وكان يعمل تاجر خضروات، فتأثر أبو براك لذلك، وتألم كثيراً، خصوصاً أن أحد أبناء عمومته، وهو أحد وجهاء العائلة، قد وصلت به الحال إلى ذلك، وكان متعففاً لا يسأل أحداً، فقرر أبو براك مساعدته، فترك ابن عمه وعاد إلى زيارته بعد يومين، وكان قد استأجر له بيتاً كبيراً واسعاً يليق بعميد عائلة المرشد ودفع له قيمة الإيجار، حتى استطاع ابن عمه أن يقف على قدميه مرة أخرى ويخرج من كبوته وعمل في تجارة الخضار وكذلك العقار، فاشترى بيتاً ملكاً له ثم باعه واشترى غيره حتى فتح الله على ابن عمه فتحسنت أحواله وحقق مكاسب طيبة.

ولم يكن العم عبد المحسن المرشد يساعد رجال العائلة فقط، بل كان حريصاً على مساعدة نسائها أيضاً، فكان يكرم نساء عائلته ممن يأتين من المملكة العربية السعودية إلى الكويت، للتبضع من أسواق الكويت التي كانت في الخمسينات والستينات أسواقاً رائجة وكانت المصدرة للجزيرة العربية ونجد والمنطقة كلها، وكان أهل المملكة يأتون إلى الكويت لشراء البضائع منها.

فإذا جاءت نساء العائلة إلى الكويت كن يذهبن إلى بيت العم عبد المحسن المرشد، وكان يستقبلهن أحسن استقبال، ويرحب بهن أجمل ترحيب، وقبل أن يذهبن إلى أسواق الكويت يضع في أيديهن مبالغ مالية، كن يفرحن بها فرحاً شديداً وذلك براً بهن وشهامة منه تجاه نساء عائلته.

وانطلاقاً من مثل هذه القيم الطيبة في صلة الأرحام، نشأ كثير من صناديق العائلات التي يشارك فيها تجار الكويت إخوانهم وأبناء عمومتهم في المملكة العربية الشقيقة، وبالتحديد في منطقة نجد، ومن خلال هذه الصناديق يرعون فيها المريض وطالب العلم والمسافر في بعثة أو المقبل على الزواج والمتعفف أو الذي يسافر لطلب العلاج، وهذه كلها امتدادات لهذا التميز والتواصل الاجتماعي.

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته.

د. عبد المحسن الجار الله الخرافي

ajalkharafy@gmail.com

www.ajalkharafy.com

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking