تحليل إخباري: الثورة الصناعية الرابعة بين الإنتاج والإنتاجية

يربط كثيرون بين زيادة الإنتاج والنمو والرواج الاقتصادي، وعلى الرغم من أن هذه الفرضية تبدو منطقية للوهلة الأولى، فإن التساؤل الأهم دوماً يبقى حول نسبة الزيادة في الإنتاج ووسيلته، وما إذا كان النمو نتيجة لزيادة الإنتاج فحسب، أم لتحسُّن معدلات الإنتاجية؟

إنتاج.. أم إنتاجية؟

وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي ، فقد تنوّعت محاولات تحفيز النمو خلال العقد الماضي بغية تجنيب الاقتصاد العالمي «ركوداً كارثيّاً»، وكان أبرزها ضخّ البنوك المركزية 10 تريليونات دولار في أسواق مختلف الدول لتحفيز النمو خلال تلك الفترة.

وتنبع الحاجة لضخ الأموال في الأسواق من حقيقة أنه وعلى الرغم مما شهدته العقود الأخيرة من تطوّرات هائلة في التكنولوجيا ــــــ أدت الى إنشاء عالم مترابط أكثر فأكثر باستخدام التقنيات الجديدة من التطبيقات والمنصات الرقمية إلى الطباعة الثلاثية الأبعاد وشبكات الاتصال، حيث ينتظر العالم الجيل الخامس ــــــ فإن الإنتاجية لم تزل جامدة.

يشير تقرير التنافسية العالمية إلى أن متوسط ما تحصده الدول من رقم في تقريرها هو 61 من درجات المؤشر المئة، مرجعاً سبب تدنّي هذا المتوسط بالأساس إلى ضعف تطور الإنتاجية وتحسّنها في الوقت الذي تسعى فيه الدول للنمو بأي ثمن، لا سيما الحزم التحفيزية للأسواق، رغم ما لها من آثار جانبية سيئة.

وتكشف دراسة لجامعة هارفارد أنه بين عامي 2011 و2016 لم تتحسّن الإنتاجية المجمعة لعناصر الإنتاج مجتمعة من رأسمال وعمالة ومواد خام إلا بنسبة %0.3 في الدول النامية و%1.3 في الدول المتقدمة في نسبة، اعتبرتها الدراسة متدنّية للغاية وتنذر بمشاكل اقتصادية جمة.

دائرة مغلقة

إبَّان الفترة بين الحربين العالمية الأولى والثانية كان معدل تحسّن الإنتاجية سنويا يربو على %1، على الرغم من عدم اكتشاف طرق ثورية في الإنتاج، مثلما هي الحال الآن، غير أن التحسينات المستمرة على عمليات الإنتاج ساهمت في تطوير طرق الإنتاج بشكل مستمر.

بل وفي فترة الحرب العالمية الثانية نفسها، وبعدها مباشرة، كان معدل التحسُّن في الإنتاجية فوق مستوى %3 سنويا، وهو الأعلى في تاريخ الاقتصاد الحديث (أو الذي أمكن رصده بإحصاءات)، بل تشير التقديرات إلى أنه لولا الدمار الواسع للغاية التي خلفته الحرب لكان معدل نمو بعض الدول يناهز %30 سنويا.

أما خلال السنوات الأخيرة فيرجع النمو، وفقا لدراسة «هارفارد»، إلى وجود ما سمته «الدائرة المغلقة» من الإنتاج، ويقصد به أنه يمكن للشركات تتبُّع حركة السلع والخدمات «في الوقت الفعلي» (real time) وتزويد العملاء في جميع أنحاء العالم بالسلع والخدمات على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، بما أدى الى تضاعف وقت الإنتاج، وليس إمكاناته.

وبناء على ذلك، فإن الزيادة في النمو يجري تمويلها بالكثير من السبل، ومن بينها الضغط على الموارد الطبيعية، بسبب زيادة ساعات الإنتاج، وليس تحسين الإنتاجية، بما أدى الى ضغط استثنائي على الموارد الطبيعية، تقدره الدراسة بحوالي %200 من الضغط الذي كان سائدا في ثمانينات القرن الماضي (يقصد بالضغط على الموارد الزيادة في استهلاكها) على الرغم من كل المحاولات المتعلقة بحماية البيئة.

وتشير الدراسة إلى أن الأزمة الحقيقية تتمثل في اختلال التوازن بين الاستثمارات في التكنولوجيا والجهود المبذولة لتعزيز اعتمادها في الاقتصاد ككل، حيث إن العلاقة بين التقدُّم التكنولوجي والإنتاجية ليست تلقائية، لأن نشر الابتكارات الرئيسة يستغرق وقتا طويلاً في المجتمع والأعمال.

حاجة للتكيُّف

وتؤكد كتب التاريخ الاقتصادي أنه في بداية أي ثورة تكنولوجية ستتباطأ الإنتاجية أولاً، وبمجرد اعتياد الناس على طرق جديدة لفعل الأشياء، ستُتبنَّى الابتكارات الجديدة بشكل كامل مع بدء المجتمع جني الفوائد على أرض الواقع.

وهذا ما لم يحدث على أرض الواقع في الآونة الأخيرة، وفقا لـ«فوربس»، فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من ظهور الطباعة الثلاثية الأبعاد قبل أعوام عدة، فإن أقل من %0.1 من سكان العالم رأى مثل تلك التقنية، التي يقتصر انتشارها حاليا في مصانع محدودة للغاية في دول العالم المتقدّم التي تستخدم تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة.

كما يعاني النمو الاقتصادي، في اقتصادات تعتمد على الخدمات بدرجة أكبر من بقية القطاعات، من غياب أسرع لما تصفه دراسة «هارفارد» بالمهارات «الحيوية» لاقتصاد الخدمات أو اقتصاد المستقبل، رغم أنها توصف بأنها «مهارات ناعمة»، وعلى رأسها القدرة على حل المشكلات المعقّدة والتنسيق مع الآخرين وإدارة الناس والتفكير الإبداعي والتفكير المنطقي والقدرة على التفاوض والعمل في فريق والاستماع الفعّال.

وفقاً للدراسة، فإن هؤلاء الذين يتمتعون بتلك المهارات أو حتى غالبيتها يشكّلون %3 ــــ %5 فقط من سوق العمل، وذلك بسبب الاعتماد عليها تقليديا كـ«مهارات شخصية»، لا يمكن تعلّمها، بما يخلق أزمة كبيرة في سوق العمل تعيق النمو، وتدفع لاستخدام عدد أكبر من الموظفين لتحقيق الهدف نفسه، الذي يمكن تحقيقه بعدد أقل من الموظفين، بما يؤشر الى أزمة في الإنتاجية، وإن بقي الإنتاج مستمرّاً في الزيادة، وكذلك النمو، ولكن بنسب قليلة.

عدم توازن

وترصد دراسة لجامعة دوندي الأسكتلندية حالة من عدم التوازن في الاقتصاد حاليا؛ ففي الوقت الذي تنمو فيه إنتاجية القطاعات المرتبطة بالثورة الصناعة الرابعة في الدول المتقدمة بنسب تتعدى %15 سنويا بما يسهم في دفع عجلة النمو، تظل قطاعات من الاقتصاد بلا نمو يذكر في الإنتاجية تماما.

وبناءً على ذلك، يبدو الاقتصاد منقسما إلى قسمين؛ أحدهما ينمو نموّا تلقائيا نتيجة لزيادة مدخلات عملية الإنتاج، وبناء عليه لا يسهم إلا في ما تعرفه الدراسة بـ«النمو الطبيعي»، في حين يقدّم القسم الآخر المرتبط باقتصاد الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي «نموّاً أفضل» لاعتماده على تطوير معادلات الإنتاج، وليست زيادته فحسب.

ولإيضاح فكرة انقسام الاقتصاد تكفي الإشارة إلى تقرير لـ«ماكنزي» بتراجع إنتاجية قطاع التعدين بين عامي 2004 و2012، بنسبة %35، بسبب رفض غالبية المنتجين الاعتماد على الوسائل الحديثة، بل وإيقاف بعضهم استخدام الآلات والعودة إلى استخدام العمالة البشرية التقليدية، وعلى الرغم من عودة الإنتاجية للنمو مجددا، فإن العودة تبقى ضعيفة للغاية وبطيئة.

ولا شك في أن زيادة الإنتاج تسهم في النمو بالفعل، ولكن تشير دراسة جامعة دوندي إلى أن بعض الشركات ستشهد زيادة في التدفّقات المالية تصل إلى %122 ونموّا في الأعمال يصل إلى %30، إذا جرى إقرار وسائل إنتاج مختلفة، أغلبها يرتبط بالذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة.

والأزمة الحالية في أن الفجوة في مستوى وسائل الإنتاج - وبالتالي في الإنتاجية - أصبحت في أقصى حالاتها، وفقا لتقديرات «هارفارد»، حيث تبلغ الفجوة التكنولوجية حوالي 500 عام في بعض الأحيان، و40 عاما داخل الدولة نفسها.

لذا، فقد يبدو النمو مستمرّاً على مستوى الدول ونتائج الأعمال مزدهرة للشركات بسبب زيادة الإنتاج فحسب، ولكن في الواقع فإن هذا يعكس، وفقا لمفهوم تكلفة الفرصة المفقودة، إهدارا للموارد في ظل الإبقاء على معادلات الإنتاج نفسها، وبالتالي إهدار فرص تحقيق المزيد من النمو.

¶ المصادر: المنتدى الاقتصادي العالمي، تقرير

التنافسية العالمية، دراسة لجامعة هارفارد، دراسة لجامعة دندي الأسكتلندية، دراسة لـ«ماكنزي» وأرقام ¶

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات