تسلَّمت وزارة الخارجية الكويتية، منذ فترة، 200 ألف كتاب سُرقت خلال فترة الغزو، الذي خطط له وأشرف على تنفيذه زعيم كتائب الاغتيالات صدام حسين، وعلّق مسؤول في «الخارجية» الكويتية، السيد عبدالعزيز الجارالله، أن الكويت ما زالت تحثّ الجانب العراقي على تسليم كل الأرشيف الوطني والممتلكات الكويتية، التي نُهبت بشكل منظّم خلال فترة الغزو.

كان قرار النهب والتدمير اتخذه صدام حسين ومجلس قيادة الثورة العراقي، عندما أدرك الجميع حتمية الهزيمة المنكرة، فكان القرار نهب كل شيء ممكن حمله، وما لا يحمل إلى العراق يُدمر في الكويت، هكذا كانت التعليمات للقيادة العراقية، التي كانت محاصرة في الكويت.

لم تأت سرقة الكتاب من موجة ثأرية عاطفية استولت على فكر صدام حسين، وإنما كان قراراً استراتيجياً مقصوداً من أجل حرمان الكويت من كتب المعرفة، ومنع شعبها من الاطلاع على الثقافات التي فجّرتها ثورة التنوير، التي تسيّدت أوروبا في القرن التاسع عشر، وامتدت إلى الجغرافيا العربية المحاذية، وكان لها أبلغ الأثر في تصاعد الدعوة للحريات والانفتاح وحكم القانون وحق الشعوب في التعبيرعن رأيها، والمشاركة في تقرير مصيرها، كما سجلها التاريخ في أطروحات العروة الوثقى وتجمّعات المفكرين العرب في آخر عقود الحياة للامبراطورية العثمانية.

كان العراق مغلقاً بعد الانقلاب العسكري المدمّر عام 1958، وكانت سوريا ضحية الأسوار التي شيدتها حكومات الانقلابات السورية، وكانت دول عربية أخرى طرفاً مؤثراً في ملاحقة المفكرين وتسكير الأبواب، التي تعبر منها الأخبار والتعليقات عن تطورات الأحداث، التي تسجلها آليات الإعلام من مختلف عواصم العالم.

كانت صرخة الحرية، التي دعا إليها المفكرون العرب في بداية القرن الماضي، أكثر ما يقلق حكومات الثورات العربية، وأكثر ما يخاف منه حزب البعث هو التحرّك الشعبي نحو الدعوة للانفتاح وحكم القانون وضوابط الدستور، وكان الجوار الكويتي للعراق المكبّل بحزب البعث وايديولوجيته الخرافية، أكثر المناطق المجاورة للعراق حرية وانفتاحاً وتقديراً لآدمية الانسان وتفعيلاً لحكم القانون، فيه حرية الكلمة وانطلاق الفكر، تتواجد فيها الكتب التي يخاف منها حزب البعث.. لهذا، كان الصداع من الكويت مستمرّاً ومقلقاً لقيادة «البعث»، الأمر الذي رفع سقف أطماعه لإسكات صوت الكويت بالابتزاز، ثم الغزو.

سجل مؤسسو الكويت مفخرة في بناء وطن على أرض، لا تملك أهلية الاستيطان، ليس فيها ما يغري بالبقاء والاستقرار، ورغم كل هذه العقد البيئية الجغرافية، بزغ وطن بصيت عال وبصوت مسموع وبصحة مكتملة، وبخزينة أعطت من كان أكبر منها، ومن كان يتعالى عليها، ومن كان يستصغرها، بمن فيهم صدام حسين، الذي امتلأت خزينته من خير الخليج.

كانت صخرة المواطنة تربك خطط الأطماع التي يدبرها صدام حسين وبطانته، ومن المؤكد شعر بها عندما دعت وزارة إعلام العراق عدداً من النواب السابقين، وبعض أصحاب الشعر والكتابة، في وقت مملوء بالخطر على إثر تبادل المذكرات بين العراق والكويت في صيف 1990.

كانت زفّة عراقية دبّرها وزير الاعلام العراقي، متصوّراً أن الزوار الكويتيين ستأسرهم عذوبة المناخ السياسي العراقي، فكان استغرابهم من جهل حكومة البعث وبطانة صدام بحقائق الكويتيين، هم يختلفون لكنهم لا يخونون، وأنهم منفتحون لكل الآراء، لكنهم يقفون عند الخطوط الحمراء التي تمس الوطن، فكان اللقاء صدمة عاتية للمتآمرين الذين أدركوا حجم خيبتهم في التأثير في الزوار.

لم يستطع صدام حسين، ولا حزبه ولا إمكاناته، التأثير في جذوة الوطنية الكويتية الطاغية، التي كانت تشكّل أبلغ أسلحة المقاومة، عندما جاء الغزو.

كان قرار صدام حسين حرمان الكويت وشعبها من آليات الثقافة ووسائل المعرفة، ومصادرة كل ما يمكن أن يقوي متانة المواطنة، مع إجراءات لسد منابع العلم والمتابعة، وصارت الاستراتيجية العراقية بعد اليقين بالهزيمة، تحطيم البلد وتدمير منشآته، بعد أن عجز عن تحطيم إرادة شعبه، وحرق مصدر معيشته ومنبع ثروته عبر التدمير الكامل لحقول النفط، في تصور بأن مستقبل الدولة الكويتية انتهى بعد القضاء على أهليتها للبقاء.

لم تنجح هذه الخطة الجهنمية، فقد رسخت يقين الكويتيين بضرورة التصدي للأطماع والابتلاع، وتحدي خطة صدام حسين بطمس تاريخهم وحرمانهم من هويتهم وتزوير إرادتهم.

لم تنجح خطة «البعث» في هدم مصدر الدخل، وهدم معاول الوطنية الكويتية في الولاء للتربة وللدستور، ولم يحقق السعي الى تذويب الهوية الكويتية ومحوها من ذاكرة التاريخ، وإزالتها من جغرافيا المنطقة ومن واقعها، ولم يحقق حزب البعث حلمه في تثبيت جدران الأمية السياسية والاعلامية، ومنع وصول منابع المعرفة والثقافة إلى الكويتيين، ووضع نهاية لانفرادهم بعالم صغير يزهو بالإنجاز والتقدّم.

عودة الكتب تعني الكثير لنا في تأكيد فشل العراق بكل تبدلات أنظمته في تجاوز حقيقة الكويت شعباً وجغرافية، تاريخا ونظاماً، هوية ووطنية، وإعادة الأرشيف تكشف أمية النظام العراقي السابق ومحدودية آفاقه وتعرّي دونيته.

نعيش الآن في منطقة ليست آمنة، لا في أنظمتها السياسية، ولا في استقرار دبلوماسيتها، ولا في تكويناتها السكانية، ولا في ثبات المسار في علاقاتها الخارجية، وهنا لا مفر من استمرار الحذر الدائم والتيقظ المستمر بآليات متواجدة من دون تردد، لكي لا تأخذنا المفاجأة، فلا مجال لغفوة في أمن الأوطأن، ولا داعي للتذكير بأعباء المسؤولية الأمنية التي يتحمّلها الجميع بكل ألوانه وطوائفه.

أجواء الاقليم في المنطقة ليست بعيدة في توتّرها عن أوضاع شبه جزيرة كوريا، التي تتحكّم في استقرارها آليات أمنية واجراءات تيقظية لا تغفو عن واجباتها، داخلياً في تحصين الوحدة الوطنية، وخارجياً في جاهزية آليات الردع، سواء في الجزء الجنوبي أو الشمالي منها.

هذا الواقع تولّد من جغرافيا عابسة، ومن اضطراب شبه دائم يتسيّد مناخها، والصراحة في التنبيه المتواصل أولوية في مسارنا اليومي.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات