رحمك الله أخي الحبيب عيسى.

تمر الأيام لتكتملَ أسابيع.. ولا تزال أنت تنقصني أيها الحبيب، حائرة لا أصدق أنك صرتَ مثل هذه الأيام تمضي ولا تعود!

ليتَ شِعري، كيف اختطفك طائر الموت فكأنما انتزع قطعة من القلب، وترك العقل مذهولا، ولولا الإيمان بالعزيز المقتدر لما صدقتُ أنني يمكن أن أستوعب فراقك المفجع، أو أنني أتعايش مع حقيقة ابتعادك الأبدي، وأنني لن أراك ثانيةً..إذ ينشَقُّ الفؤاد كلما تذكرتُ أن إرادة الله التي لا رادَّ لها قضت بأن تمتد قبضةُ المنون إليك لتتركنا، نحن أحباءَك، نتطلع يمنةً ويسرةً، نبحث عنك كأنما تركتنا كما كنتَ تفعل كل مرةٍ، ثم سرعان ما ستعود.. لكنك هذه المرة غبتَ فأسرفتَ في الغياب، إلا أنك وسط هذا الغياب المؤلم تزداد حضورا وبقاءً، كأنك تعلم وأنتَ في عليائك كم نحن نحتاج إليك، ونفتقر إلى وجودك!

أخي الحبيب أبا عبدالله، رحمك الله، لم تكن أخًا عاديا، بل كنتَ طاقةَ حياةٍ ومصباحَ طريق وشراعَ سفينةٍ... كنتَ الأكثر حنانا رغم صغر سنك، كنتَ بارا بوالديك، رفيقا بإخوتك، جامعا لقلوب الأحبة.. كنتَ تنظِمُ عِقدنا جميعا، فنلتف حولك كما يحوم الفراش حول النور، وكنت توزع علينا بسمتك الجميلة لتنساب فينا نهرا من السعادة، تجعل الكل - صغارا وكبارا - يتعلّقون بك حاضرا، ويفتقدونك حين تغيب ولو قليلا، ويتطلعون إلى عودتك سريعا كي تنتشلهم من زحمة الحياة وثرثرة الواقع، لتعيد جمعهم حولك في لحظات إنسانية دافئة لن ننساها أبدا مهما طال بنا الزمن!

أخي الحبيب أبا عبدالله، رحمك الله، فقد اتخذت من المحبة رسالةً، ومن التسامح مع الجميع منهجا، ومن الصدق خُلقا، ومن البساطة أسلوب حياة... عشتُ معك حياتي بكل مراحلها، امتزجت بيننا الأحلام بالإحباطات، والبسمات بالدموع، وجمعتنا معا مواقفُ ومناسبات وأحداث... وها هو شريط الذكريات يمر سريعا خاطفا، كأنما الحياة بطولها محضُ برهةٍ، لتدهمنا الحقيقةُ المحتومة برحيلك المتعجل، وكأنك برقيك الأخلاقي، تطلَّعتَ إلى عالم آخر أفضل من عالمنا، وطمحتَ إلى سَكينة السماء عِوضا عن ضجيج الأرض!

أخي عيسى.. هل حقا رحلتَ يا أخي، ولا يزال مكانك الذي ذهبتَ عنه شاغرا. – أنك لا تزال حاضرا بروحك ترفرف في المكان، وتبث في أنحائه المحبة والبهجة كعادتك الدائمة.

أخي الحبيب... فارقتنا مبكرا فتركتَ في قلب كل منا جرحا لا يندمل، ووجعا لا يكف، واحتياجا لا يعالجه أحد غيرُك... قلوبنا حزينة لرحيلك يا أخي الصديق، لكن عزاءنا في إيماننا بقضاء الحكيم العليم سبحانه، وأنك ستظل بيننا شجرةً وارفة الظلال، ونجما مضيئا - ولو من بعيد - ونسمةً حنان تخفف من هجير أيامنا.

رحمك الله أبا عبدالله بقدر حنيني إليك وشوقي إلى لقائك. اللهم أبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وارزقه الفردوس الأعلى. اللهم صبِّرنا على فقده، واجمعه مع والديه تحت ظل عرشك، يوم لا ظل إلا ظلك، مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقا.


أ. د. معصومة أحمد ابراهيم

Dr.masoumah@gmail.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات