إعلام الممانعة.. مُشعِل الثورة ومطفئها

بيروت - أنديرا مطر -

لعل المحرك الاساسي لهذه الثورة الاجتماعية الاقتصادية والثقافية التي يعيشها لبنان حاليا هو وسائل الاعلام، المرئية والمكتوبة على حد سواء، التي لعب بعضها دورا مهما في تسليط الضوء على الاشكاليات الاساسية في المجتمع وفي السياسية وفي الاقتصاد. ولعل الدور الابرز كان لبعض وسائل الاعلام والمعلقين والمحللين السياسيين المحسوبين على خط «الممانعة»، وفي هذا الاطار برز دور صحيفة الاخبار اللبنانية المرتبطة بحزب الله، والتي دأبت منذ انطلاقتها على فضح ملفات الفساد في الدولة وشنت حربا على السياسات المالية والنقدية من خلال ملحق رأس المال.

ومنذ تأسيسها، اعلنت صحيفة «الاخبار»، انحيازها الى قضايا الناس ودأبت على نشر تحقيقات تفضح فساد الطبقة الحاكمة، واعتدائها على الأموال والاملاك العامة، وكانت تحث اللبنانيين على التحرّك والتمرد على هؤلاء الحكام، حتى انها كانت من مطلقي انتفاضة 17 اكتوبر التي فاجأت الجميع بزخمها في جميع الشوارع اللبنانية التي لأول مرة خرجت على زعمائها التقليديين لترتدي ثوب العلم اللبناني فقط. غير أن طارئا ما حدث بعيد يومين، وحول «الاخبار» من مصدر الهام للثورة إلى منظّرٍ وداعٍ لثورة مضادة، فما ان حانت الفرصة وخرج اللبنانيون الى الشوارع والساحات مطالبين باستعادة حقوقهم حتى بدأت بالتحريض ضدهم في الصحيفة ذاتها، منحازة بشكل مطلق الى وجهة نظر يتبناها حزب الله الذي يرى أن ما يجري مؤامرة خارجية وبأن جزءا كبيرا من التظاهرات مدعوم من الخارج ويهدف في النهاية الى الضغط على الحزب لتقديم تنازلات سياسية.

ولم تكد تمر سوى أيام قليلة على انطلاق الانتفاضة حتى بادر عدد من صحافيي جريدة «الاخبار» الى تقديم استقالاتهم منها، على خلفية مقاربتها لهذه الثورة وأسلوب تغطيتها المتحيّز ضدّها وضد المتظاهرين، والذي وصل الى حد التحريض عليهم، وفق ما أجمع عليه المستقيلون.

انقلاب في يومين

وكانت الأيام الأولى للانتفاضة شهدت تبايناً حادا في وجهات النظر حول مقاربة هذا الحراك، بين إدارة التحرير وبين الصحافيين الذين ابدوا استياءهم واعتراضهم على انقلاب غير مفهوم في سياسة الجريدة، التي انتقلت في غضون يومين من مؤيدة للحراك، الى تبني مقاربة الأنظمة الديكتاتورية لمثل هذه الاحتجاجات، في اعتبارها صنيعة مؤامرات خارجية وأجهزة غربية وسفارات تخطط وتدعم وتمول.

فالمتابع لموقف الجريدة منذ بدء الاحتجاجات، سيلاحظ تبدلات عناوينها الرئيسية، إذ بدأت بدعمها في اليومين الأولين ثم انعطفت لتأخذ خطاً تحريرياً مناهضاً لها بل تحريضياً عليها، ما اعتبره الناشطون سبباً أساسياً في اعتداء بلطجية مؤيدين لحركة أمل وحزب الله على المتظاهرين في وسط بيروت الأسبوع الماضي.

ففي اليومين الاولين عنونت على صفحتها الأولى: «الشعب يستطيع»، واصفةً ما يحصل بـ«انتفاضة شعبية يشهدها لبنان من أقصاه إلى أقصاه، فجّرتها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السيئة». وبعد يومين، وغداة كلمة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في 25 أكتوبر، التي حذّر فيها من «الفوضى والانهيار» في حال استقالة حكومة سعد الحريري، خرجت الصحيفة بعنوان «لبنان ينقسم». ثم بدأت كل مقالاتها وسياستها تسوق لفكرة أن الشارع «خُطف» من خصوم حزب الله السياسيين لا سيما القوات اللبنانية، منتقدةً قطع الطرق وشلّ البلاد.

استقالات بالجملة

وكانت الصحافية جوي سليم أول من افتتح مسار الاستقالات من جريدة الاخبار في 29 أكتوبر الماضي بالتزامن مع هجوم شنه أنصار «حزب الله» وحركة «أمل»، على المعتصمين في ساحتي رياض الصلح والشهداء وسط بيروت، حيث قاموا بالاعتداء عليهم وإحراق خيمهم وتكسيرها.

وبكلام واضح ومباشر، أعلنت سليم انها استقالت بسبب تغطية الصحيفة للانتفاضة الشعبية ووصفها بـ«المؤامراتية التحريضية» وتقديمها اشاعات ساهمت بتعزيز التحريض على المتظاهرين بعدما انضمّت «الأخبار» إلى صفوف الثورة المضادة.

وفي بيان على صفحتها في فيسبوك، قالت سليم «استقلت بعد ان خاب أملي من تغطية الجريدة للانتفاضة التي عَمِلَت لأشهر (ولسنوات ربما) على تقديم أدلة على ضرورة حدوثها وما إن حدثت حتى انضمت الجريدة بسرعة إلى صفوف الثورة المضادة، وقدمت مادة مؤامراتية تحريضية واشاعات غذّت ما حدث في الشارع من هجوم من اسمتهم «مواطنين» على المعتصمين».

وبعد استقالة سليم كرّت سبحة المستقيلين من الصحيفة، حتى وصل عددهم الى ستة يعملون في اقسام متنوعة: اقتصاد، تحقيقات، مقالات رأي؛ وهو ما دفع بأحد الناشطين في الحراك الشعبي للقول: «لن تنتهي الثورة الا وقد خلت الأخبار من صحافييها ولم يبق فيها إلا إبراهيم الأمين (رئيس مجلس ادارة الصحيفة)»، في حين علّق آخر ساخراً من مصاب «الاخبار»: «فليطفئ آخر الخارجين من الجريدة الضوء».

وشكّل إعلان الصحافي محمد زبيب استقالته قبل أسبوع مفاجأة للعاملين في الجريدة وللحراك في آن. ولقيَت الاستقالة، تفاعُلا في مواقع التواصل، فهو كان يتولى رئاسة قسم الاقتصاد وهو من اطلق ملحق رأس المال الذي فضح انتهاكات السياسة المالية والنقدية للمصرف المركزي والمصارف الأخرى، وأعلن انحيازه المطلق للانتفاضة الشعبية منذ لحظتها الأولى، وهو شارك في حلقات الحوار اليومية التي نظمها الناشطون حول الأزمة الاقتصادية وكيفية النهوض منها، وكانت ضمن حلقات نقاش يومية بهدف تعريف اللبنانيين بحقيقة مشاكلهم وبكيفية استعادة حقوقهم المنهوبة.

زبيب اعلن استقالته في منشور على فيسبوك، موضحا أنها تأتي «احتجاجاً على موقف إدارة الصحيفة من الانتفاضة وانفصامها»، لافتا إلى ان ملحق رأس المال الذي صدر يوم استقالته لا علاقة له به، ولم يشارك فيه من كانوا من مؤسسي هذه التجربة.

وبعد استقالة زبيب انضمت الصحافيتان صباح أيوب وفيفيان عقيقي إلى هذا التحرك، وأعلنتا استقالتيهما نتيجة لتراكم أسباب، آخرها أداء الصحيفة في تغطية انتفاضة 17 اكتوبر. وقالتا انهما لم يجدا نفسيهما فيها بعد هذا التحول.

استقالات سابقة

وليست صدفة ان تتكرر الاستقالات في صحيفة الأخبار في خضم حدثين أساسيين، الثورة السورية 2011 والانتفاضة اللبنانية 2019. فمع بدايات الثورة السورية وقفت الجريدة مع نظام بشار الأسد ضد الشعب السوري، المطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. وهذا ما حمل مجموعة كبرى من صحافيي الجريدة الى تقديم استقالاتهم، خصوصا مع تدخل حزب الله الى جانب الأسد. وعلى رأسهم مدير تحرير الجريدة خالد صاغية، إضافة الى فداء عيتاني ونادر فوز وثائر غندور.

أداة إعلامية تكسب حزب الله بيئة جديدة بمنطق «رأس المال»

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات