بريطانيا وجهة جاذبة للفاسدين

إيمان عطية - 

يشجع أصحاب النفوذ في المملكة المتحدة استراتيجية للفوز بالسباق العالمي الكبير لجذب رأس المال من خلال خفض الضرائب وتخفيف اللوائح وغض النظر عن الأموال القذرة في العالم. وتعتبر بريطانيا أكبر لاعب في لعبة الملاذات الضريبية العالمية، اذ تستقطب من خلال شبكة الأراضي والأقاليم والتبعيات التي تخضع للتاج البريطاني، من جزر كايمان وفيرجن البريطانية الى جزر تركس وكايكوس وأنغيلا وجزيرة مان وجيرسي، الثروات من جميع أنحاء العالم حيث تعمل على تلميعها ومن ثم تغذيها في حي المال والأعمال في لندن. 

يظهر التصنيف العالمي الأكثر شهرة للملاذات الضريبية في العالم من حيث الأهمية، مؤشر السرية المالية الصادر عن شبكة العدالة الضريبية اضافة الى مؤشر الملاذ الضريبي للشركات الصادر عن نفس المنظمة، أن المملكة المتحدة، وتبعيات التاج البريطاني هي أكبر لاعب وعامل تمكين في عالم الأوفشور، حيث حل 4 منها في قائمة العشر الأوائل التي حصلت أنظمتها على أعلى الدرجات كملاذات ضريبية للشركات.

فساد وأضرار اقتصادية

من الأرجنتين الى أذربيجان، لعبت الشركات البريطانية ومراكز الأوفشور المالية دوراً رئيسياً في أكثر من 400 قضية فساد وأضرار اقتصادية بلغت قيمتها حوالي 325 مليار جنيه استرليني في العقود الأخيرة. وهو الفساد الذي يؤذي أشد الناس فقراً في المجتمع العالمي ويعيق التقدم والمساواة. واعتبر تقرير الشفافية الدولية الذي صدر في أكتوبر أن بريطانيا لديها مشكلة كبيرة مع الأموال القذرة. مشيرا الى أنه لم يعد سراً أن العقارات في لندن هي فئة استثمارية جذابة للمسؤولين الأجانب الفاسدين الذين يتطلعون الى اخفاء عائدات الاختلاس والرشوة.

وتعد المملكة المتحدة وجهة جذابة للفاسدين للأسباب ذاتها التي تجذب الأعمال المشروعة: سوق العقارات المستقرة والمستوى العالمي للتعليم وقطاع الخدمات الكبير والمتنوع والارتباط بمراكز الأوفشور المالية في الأقاليم الخارجية وتبعيات التاج البريطاني.

كما قدم تقرير منظمة الشفافية الدولية أحدث دليل على الدمار الذي تسببه شبكة الأوفشور البريطانية في العالم، إذ يبلغ حجم الأموال التي جرى تحويلها 325 مليار جنيه استرليني عن طريق عمليات شراء مزورة والرشوة والاختلاس والاستحواذ غير القانوني على أصول الدولة، من أكثر من 100 دولة، معظمها في أفريقيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق وأميركا اللاتينية وآسيا. ومن بين المجرمين الماليين أحد قادة عملية احتيال قيمتها مليارات عدة من الجنيهات لنهب ماليزيا ورئيس وزراء سابق في مولدوفا. وبحسب المنظمة فانه في معظم الحالات الكبرى من الرشوة والاختلاس والمشتريات المزورة في العالم ستجد لبريطانيا وتبعياتها علاقة بها عن طريق شركة سرية في جزر فيرجن وقصر في مايفير ومصرف بريطاني..الخ.

امتداد عالمي

يظهر تقرير منظمة الشفافية الدولية بحسب «غارديان» مدى انتشار التعفن وعمقه في المملكة المتحدة، اذ يجد المحتالون في العالم شركاء في شبكة تضم مئات الشركات من مزودي الطائرات واليخوت الخاصة، ووكلاء العقارات وشركات المحاسبة بما فيها «الأربع الكبار» شركات المحاماة والبنوك الكبرى في العالم والمدارس والجامعات وأندية كرة القدم ومراكز التفكير والصحف، وبالطبع المؤسسات السياسية البريطانية. ليس مصادفة أن تكون لندن، التي كانت يوماً عاصمة أعظم امبراطورية عرفها العالم، مركز الجزء الأهم من نظام الأوفشور العالمي، اذ تتكون شبكة الأوفشور لحي المال والأعمال في لندن من ثلاثة أجزاء، حلقتان داخليتان تتمثلان في تبعيات التاج البريطاني وهي جيرسي وجبل طارق وجزيرة مان، وأراضيها الخارجية، مثل جزر الكايمان، التي تخضع لسيطرة بريطانية كبيرة. وتتألف الحلقة الخارجية من مجموعة أكثر تنوعاً من الملاذات مثل هونغ كونغ، التي تقع خارج السيطرة البريطانية المباشرة لكن تربطها بها علاقات قوية.

تقوم هذه الشبكة بأمور عدة، فهي تمنح حي المال في لندن امتدادا عالميا. فالملاذات البريطانية تنتشر في جميع أنحاء المناطق الزمنية للعالم وتلتقط وتجذب الأموال العالمية المتنقلة تماما، كما تلتقط شبكة العنكبوت الحشرات المارة. الكثير من الأموال التي تستقطب من خلال تلك الأماكن، والأعمال التي تدير وتولد تلك الأموال، تصب بعدها في لندن.

هذه الشبكة العنكبوتية البريطانية تتيح أيضا لحي المال المشاركة والانخراط في أعمال قد تكون محظورة في بريطانيا. والكثير من الأنشطة المالية (وليس جميعها) التي تحتضنها تلك الأماكن تنتهك القوانين، وتتفادى الخضوع لرقابة الأجهزة التنظيمية في أماكن أخرى.

رقابة واستقلالية معاً

تخضع تبعيات أو ملحقات التاج البريطاني الثلاث في الحلقة الداخلية لرقابة ودعم بريطاني كبير، لكنها تملك من الاستقلالية ما يكفي للسماح لبريطانيا بأن تقول: «ليس هناك شيء يمكننا القيام به» عندما تشكو البلدان الأخرى.

الأراضي الـ14 الخارجية، وهي الحلقة التالية في شبكة العنكبوت، هي آخر ما بقي من البؤر الاستيطانية في الامبراطورية البريطانية. وتشمل السلطات القضائية البالغة السرية التالية: جزر الكايمان وبرمودا وجزر العذراء البريطانية وجزر تركس وكايكوس وجبل طارق. ومثلها مثل تبعيات التاج البريطاني، تتمتع الأراضي الخارجية بعلاقات سياسية وثيقة، ولكن غامضة مع بريطانيا. وفي جزر الكايمان، يعين الحاكم وهو الرجل الأقوى في الجزر من قبل الملكة.

وتعتبر جزر الكايمان خامس أكبر مركز مالي في العالم، وتحتضن 80 ألف شركة مسجلة، وأكثر من ثلاثة أرباع صناديق التحوط الموجودة في العالم، كما أنها معقل ودائع قيمتها 9. 1 تريليون دولار، أي 4 مرات أكثر مما هو موجود في بنوك نيويورك. أما الحلقة الثالثة في شبكة العنكبوت البريطانية فتضم هونغ كونغ وسنغافورة وجزر البهاما ودبي وايرلندا، وهي بلدان مستقلة بالكامل، على الرغم من ارتباطها العميق بالحي المالي في لندن.

«جزر مالية»

كثير من الملاذات الآمنة هي جزر، لذلك يستخدم مصطلح أوفشور، ومعظمها يقع تحت السلطة والنطاق القضائي البريطاني سابقا كانت أو حاليا. وهي من مخلفات عرضية للقوة الامبراطورية والبحرية. وقد سمح لتلك المناطق وتم تشجيعها على تقليص اعتمادها على مساعدات الحكومة البريطانية عبر استقطاب أنشطة الخدمات المالية العالمية والتي حالفها نجاح كبير في الكثير من الحالات. على سبيل المثال، يتجاوز معدل دخل الفرد في جزر كايمان، التي يقطنها عدد قليل من السكان، دخل الفرد في البلد الأم.

أكبر 10 ملاذات ضريبية بالعالم 
أشار مؤشر ضريبة الشركات، الذي نشرته شبكة العدالة الضريبية، الى المملكة المتحدة وحفنة من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية باعتبارها الهيئات القضائية الأكثر مسؤولية عن انهيار نظام ضريبة الشركات العالمية، وتتحمل المملكة المتحدة نصيب الأسد من المسؤولية من خلال شبكة الأراضي والتبعيات التي تخضع لها، وفي ما يلي قائمة أكبر 10 ملاذات ضريبية في العالم:

1 - جزر فيرجن (أراض بريطانية)

2 - برمودا (أراض بريطانية)

3 - جزر كايمان (أراض بريطانية)

4 - هولندا

5 - سويسرا

6 - لوكسمبورغ

7 - جيرسي (تبعية بريطانية)

8 - سنغافورة

9 - جزر البهاما

10 - هونغ كونغ 

4 معايير
حددت المنظمة الاقتصادية للتعاون والتنمية 4 معايير، إذا اجتمعت في بلد معيّن يصنف على أنه ملاذ ضريبي، وهي:

1 - ضرائب ضئيلة أو غير موجودة أصلاً

2 - غياب الشفافية في النظام المالي

3 - غياب تبادل المعلومات المالية مع البلدان الأخرى

4 - استقطاب شركات اسمية ذات نشاطات وهمية

أثرياء وأصحاب نفوذ

يرى كثير من العاملين في المنظمات غير الربحية التى تسعي الى مكافحة الفساد أن الغضب السياسي حيال الملاذات الآمنة ليس الا هراء وخدعة. فالملاذات الآمنة وجدت لأن الدول الكبرى تسمح بذلك، كما تسمح الدول الكبرى بوجودها لأن زبائن الملاذات الآمنة هم من الأثرياء وذوي السلطة والنفوذ.


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات