العناية بالمرأة وأحوالها في كويت الماضي تتطلب وجود مهنة «الداية»، وتعرف بالعربية باسم «القابلة» التي تقوم بمهمة توليد النساء. ولعل خصوصية هذه المهنة حالت دون معرفة أسماء وأعداد من يتولاها في ذاك الزمن الجميل برغم أهميتها والحاجة الملحة إليها.

وارتبطت في أذهان النساء الحوامل صورة مزعجة تمثلت بإحضار «الداية» عند قرب المخاض، وطلبها للماء الساخن، وهي تنادي بصوت مرتفع أن عملها محفوف بالمخاطر، ولا بد للجميع أن يسمع لها، ويستعد لتلبية كل احتياجاتها، في وقت تكون المرأة الحامل بأمس الحاجة إلى من يلاطفها ويخفف عنها آلام المخاض وينزل السكينة في قلبها ويخبرها أن الأمر سوف يتم بصورة اعتيادية سهلة، بينما تحاول الأم والقريبات منها أن يخففن عليها ذلك كله. وفي واقع الأمر أن «الداية» حينئذ تبذل قصارى جهدها في أن يخرج عملها على أكمل صورة.

و«الداية» في ذاك الزمن قد أخذت دور الممرضة أو طبيبة الولادة، ولم تكن أدواتها المستخدمة تتلاءم مع شروط السلامة في عصر لم تصل فيه العناية الطبية إلى مستواها المؤمل، لذا كانت المخاطر تحيط بعملية التوليد خاصة إن تعسّرت الولادة لسبب ما، وكان الأهل عادة في قلق دائم بما تؤول اليه الأحوال، ويكثرون التضرع بالدعاء إلى الله أن يتم الأمر على خير، وتكون الفرحة غامرة بعد إتمام العملية بسلامة الأم ووليدها.

كان لزاماً على «الداية» معرفة ما يجب معرفته من الأمور المتعلّقة بالحمل والولادة والرعاية الصحية لتتم عملية الولادة بيسر وسهولة، وتتجنب الآثار الجانبية بعدها، بل عليها متابعة حالة الأم ووليدها وإسداء النصائح للجميع في كيفية الرعاية الصحية اللازمة والطعام المناسب لما بعد الولادة.

والأمر الذي لا يمكن إنكاره في ذلك الزمن أن الكثيرات ممن ولدن، كانت ولادتهن منزلية على يد «الداية»، ولا يمكن أيضاً إنكار نسبة من عانين من سوء الوضع نتيجة لقلة خبرة «الدايات» وقلة حيلتهن حال وجود طارئ، مقارنة في هذا العصر الذي تقدمت فيه الخدمات الطبية وخاصة التدخل الجراحي إذا ما لزم الأمر، ناهيك عن العناية التي تقدم قبل وبعد الولادة للأم ووليدها.

وكان عمل «الداية» مجاناً في أغلب الأحيان ابتغاء للأجر والمثوبة، وقد تتقاضى بعضهن مبلغاً من المال نظير ما قمن به من عمل، أو أن أقارب الأم أو الزوج يكرمونها ببعض المال وخلافه.

حديثاً لا تذكر«الداية» كمهنة إلا في المجتمعات الريفية، أما في كويت الحاضر فلا وجود لها البتة في ظل توافر الكثير من المستشفيات الحكومية والخاصة التي أضحت فيها عملية الحمل والولادة مأمونة في جميع مراحلها، حيث تقوم المرأة الحامل بمراجعة دورية لتلك المستشفيات أثناء فترة الحمل إلى حين ولادتها.


د. سعود محمد العصفور

dr.al.asfour@hotmail.co.uk

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات