«منطقة محرمة»

د. ولاء حافظ -

تبدأ أحداث القصة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، بعدما رحلت مع أبي وأمي وإخوتي الصغار فارّين من طبول الحرب والنيران ورائحة الموت في سوريا، لنحتمي بسماء مصر، ولكن قرر أبي اللحاق بأبناء عمومته المهاجرين إلى السويد، فلم يكن لدينا حل بديل سوى الانضمام إلى زمرة المهاجرين تهريباً إلى أوروبا.

أرسل لك اليوم قصتي وأنا أطل من شرفتي في أحد أحياء السويد التي تكتظ باللاجئين في كل مكان، أنا يا سيدتي عمري لم يتجاوز الرابعة عشرعاماً، ولكن عمر قلبي مئة عام.

ذاكرتي زاخرة بصور كثيرة تهاجمني في كل وقت، وأذني تسمع دائماً أصوات الاستغاثة التي علقت في ذهني، وأمواج البحر التي ابتلعت أمي وأخي الرضيع أمام ناظريّ.. كنت أرتجف من البرد في ذات الليلة المشئومة وألتصقت بأمي وهي تحاول تهدئة أخي الرضيع وضمّه لتحميه من الصقيع، وإذا بالقارب يرتطم بمصدّ لا أعرف ما هو، ليتناثر كل من كان فوقه، وتتصاعد الصيحات.. ورأيت الموت يتراقص من حولنا وأنا لا أدري أهي أهوال يوم القيامة أم أني في كابوس رأيته حين التصقت بظهر أمي وغفلت عيني؟

إنها كانت الحقيقة يا سيدتي. أفقت على يد خفر السواحل وهم ينتشلون جثمان أمي وهي معكوفة الذراعين حول أخي الذي فاضت روحه بين ذراعيها، حينها كان صراخي وبكائي يملآن المحيط، وددت لو توقف العالم حينها، وتجمدت الأيام بعدها حتى صرت لا أفرق بين الجوع والشبع أو بين البرودة والحرارة ولا أسمع صوت أبي.

مرّ على هذه الحادثة يا سيدتي أكثر من عامين، وصار الحزن رفيقي والصمت عنواني والعتب نظراتي على أبي كلما جمعنا المجلس، وهاهم إخوتي اعتادوا غياب الجميع، واستبدلوه باللعب في الطرقات ولربما لأنني صرت لهم الأم، ولكن ألم الفراق ورائحة الموت لا يتركاني حتى كدت لا أسمع سوى صوت صرخاتي كل ليلة في أحلامي وأنا أصارع الموت فوق الأمواج، فما فائدة الحياة عندما نفقد معناها.

الرد:

صغيرتي.. كلمات العالم كله لا تستطيع أن تواسي جراح الفراق، لاسيما الأم، ولكن اعلمي أننا ما جئنا الى هذه الدنيا إلا لنخطو نحو أقدارنا وننفذ إرادة الله فينا، ولربما ما واجهتِه من أهوال ومصائب فاقت عمرك بكثير، هو ذخيرتك للأيام الشداد التي نعيشها ولمستقبل يحتاج منك صلابة الشخصية ونضج الفكر.

يا صغيرتي.. لا تقتلي الحياة داخلك مرتين، انما احترمي حزنك حتى تنتقلي منه إلى عالمك الذي ستصنعينه عاجلاً أو آجلاً.. فالحياة ممتلئة بمعان كثيرة جديرة بأن تنهضي من أجلها.. كوني كما تشتهي "أمك " أن تراك يوما ما. فالبحث عن هذا المعني جدير أن يكون هدفك ..ولا تجتر الألم ياصغيرتي كفاك ما عاصرتيه . اقتلي الفراغ بالعلم والعمل فكلما اشغلته فلن تجدى وقتا للتألم.

أغلى ما يملك الإنسان بعد الأم هو الوطن، وإن كانت الأم رحلت فالوطن باق، وإن عاش داخلنا فقط ولم نعش عليه. احلمي به وله . قدمي مايفخر به يوما . ولا مجال للعتب ومزيد من الآلام. فلا تعتبي على والدك، كان حلمه يوماً ما أن ينقذ أسرته الصغيرة من الموت، ولكن إرادة الله شاءت لكم هذا، استعيدي الحياة داخلك يا صغيرتي من أجل أدوار كثيرة تنتظرك من فرح وحزن، و نجاح وفشل، وضحك وبكاء.. فتلك هي الحياة. قرري الحياة لتزهري ولا تستلمي للذكريات.

اعلم أنها تجربة قاسية ولكنها حتما ستصنع منك نموذجا مختلفا , بيدك أنت أن تجعليه يملأ الوجود بعبق النجاح لا الإحباط واليأس.

اصنعي لك سندا باقيا لا يموت وهو علاقتك برب الكون، بثّي له حزنك وشكواك وألمك، ارتمي في أحضان مصلاكِ وتحت سماء عرشه، واطلبي منه الجبر- فوحده من يملك الجبر بعد الفقد– حتى تثبتي على نقطة ارتكاز لا تتغير مهما اختلفت الأحوال والظروف، وتذكري أن نقطة ارتكازك منطقة محرمة أنت فقط من يستطيع دخولها.


نستقبل رسائلكم على الإيميل التالي:

dr.walaa.hafez@alqabas.com.kw

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات