كان النوخذة مساعد عبد المحسن راشد العجيل شجاعا مخلصا تقيا يحسن التوكل على الله.. ذات مرة كان قد ذهب مع بحارته في رحلة إلى الهند وكان عددهم 50 بحارا تقريبا، في بوم كبير (أي سفينة كبيرة)، وكانت هذه الرحلة خلال أحداث الحرب العالمية الثانية، وكانت الحركة خطرة جدا في المحيط الهندي لوجود الغواصات الألمانية التي كانت تقتنص البوارج البريطانية، لا سيما أن الهند مستعمرة بريطانية في ذلك الوقت.

ونظرا لأحداث هذه الحرب، فقد طال المقام بالنوخذة مساعد العجيل وبحارته في ميناء بومباي الهندي، ولم يستطع أن يتحرك، وبدأت ميزانيته المالية تنفد في تلك الفترة، وبدأ التململ منه ومن بحارته، فأخذ العجيل يبحث عن مخرج لهذه الأزمة، فذهب إلى مدير الميناء وكان هنديا، ولكنه تابع للإدارة البريطانية، وأخبره ذلك المسؤول بأنه لا يستطيع مساعدته أو يقدم له شيئا، وقال للعجيل: نحن نعاني ظروفكم نفسها من المقاطعة والحصار البحري كما تعانون، لكنني سأعرض عليك أمرا، وهو إذا نجوت من ضربات الغواصات الألمانية فسوف تنجو بصفقة تجارية عظيمة وتربح منها الكثير، وأخبره المسؤول الهندي بأن لديه مئة برميل بنزين وسفينتان صغيرتان يستخدمهما الجيش البريطاني، ولا توجد بوارج بريطانية كافية لنقل هذه البضاعة، قائلا للعجيل: «فما رأيك أن تنقل هذه البراميل إلى سيلان بهاتين السفينتين؟»، حيث كانت سيلان مستعمرة بريطانية أيضاً، وبالتالي يذهب العجيل جنوبا بهاتين السفينتين في المحيط الهندي، فشاور العجيل بحارته باعتبارهم شركاءه في القيام بهذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر، وقال لهم: نحن لو بقينا هكذا سنموت فنقودنا نفدت، فضلاً عن زادنا، ولا بد لنا أن نتحرك ونترك هذا المكان على الرغم من الخطورة. وبذلك يكونون قد نفذوا ما يسمى بمصطلح «الهروب إلى الأمام».. فعقدوا العزم وحملوا البراميل المئة من البنزين أو ما يسمى «الدرام» وهي بالإنكليزية DRUM، ويعد هذا نحتاً للكلمات الإنكليزية التي عُربت.

فتوكلوا على الله مدركين أنه سبحانه وتعالى سيكون خير معين وخير حافظ لهم، فقاموا بتحميل البراميل على السفينتين وغُطيت البراميل «بالطربال» وهو غطاء بلاستيكي لإخفائها بين سطح وقعر السفينة، وتحركوا في البحر تابعين لقافلة من السفن الإنكليزية، وقدر الله أن الغواصات الألمانية قد اقتنصت عددا من البوارج الإنكليزية، ولما رأى الألمان القابعون في المحيط الهندي السفينتين الخشبيتين البسيطتين اللتين يستقلهما العجيل وبحارته فقد استصغروهما ولم يطلقوا عليهما النار، فسلمت السفينتان من ضربات هؤلاء الألمان، ووصل العجيل وبحارته بسفينتيه سالمين إلى ميناء كولومبو بسيلان على الرغم من أنه كان سيئ التضاريس، واستحق العجيل على هذه الصفقة مبلغا كبيرا.

وقال له مدير ميناء كولومبو وكان بريطانيا: أريد أن أكرمك بصفقة أخرى، وهي أن تقوم بتحميل سفينتك بالشاي السيلاني لتعود بها إلى بلدك الكويت، وتبيعها خلال الموسم، فإذا بعت هذه الحمولة كاملة فأرجع لي رأس المال ولك الربح كاملا، فوافق العجيل بعد مشاورة أخيه الأكبر براك، وبالفعل نقل صفقة الشاي إلى الكويت وربح منها ربحا وفيرا، ولنيته الطيبة فقد أنقذه الله من الظروف المناخية بالمحيط الهندي التي يطلق عليها «الغِبة» بمعنى أن الذي يدخل هذا المحيط فقد اغتب، حيث كان يقال إن الداخل للمحيط الهندي مفقود، والخارج منه مولود، وقد نجاه الله تعالى من أخطار هذا المحيط، ولعل ذلك لنيته الطيبة وإخلاصه مع الله سبحانه، وربح ربحا وفيرا طيبا من صفقتي نقل البنزين وبيع الشاي وفتح الله عليه من أبواب رزقه وفضله.. رحم الله النوخذة مساعد العجيل رحمة واسعة واسكنه فسيح جناته.

د. عبدالمحسن الجار الله الخرافي

ajalkharafy@gmail.com

www.ajalkharafy.com


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات