هذه السطور حبستها عن الظهور، منكبّاً على أوراقي، أنتظر يومَ الطاولة (الثلاثية) المستديرة بين مصر وأثيوبيا والسودان.. وعلى الطاولة كلمتان «سدّ النهضة».. والسدّ واحد.. والنيلان الرافدان بلونين (أزرق وأبيض) المتلوّنان بالقارة الصفراء، يتكعبّان في قوالب ثلاثة (مصر وأثيوبيا والسودان).. والنيل واحد..!

كل شيء واضح ومفهوم، والغامض غير المفهوم الوحيد هنا هو «المهندس المائي» موقعه لونه وجنسه؟ وحتى جنسيته وهندامه؟ أهو بطربوشٍ مصري أحمر؟ أم بعمامةٍ سودانية بيضاء.؟ او بكرافتّة أثيوبية زرقاء؟

أعتقد لا مساحة للمهندس العسكري هنا ولا ميدان له هناك، إذا أتيح للعقل رُجحانه في الميزان، فإنّ ما تطلبه مصر 24 مليار متر مكعب، حصّتها المشروعة من 74 مليار متر مكعب، إجمالي المساحة التخزينية للمياه في السدّ، مطالبة معقولة لعاصمة مئة مليون نسمة ظلّت تعتمد %95 وراثية الماء والكلأ على النيل من جيل إلى جيل.. هذا إن ساد العقلُ القمةً الثلاثية الرباعية المنعقدة اليوم في البيت الأبيض..

وإن فاق جنون العظمة نسيجَ الحكمة على الطاولة ذاتها، وضاع العقل السليم في نزاع القوم على بُرجي الدلو والحوت، والكلّ أدلى بدلوه على أنه هو الحوت وأمامه دلو.. فإنّهم بذلك حقّاً سيُلغمونها (تلك الطاولة) ألغامَ الإقلاع والابتلاع..!

نحن نؤمن بقوة مصر وندعو لها ونخشى عليها، إذ لا نعرف من لها ومن عليها.!.. فلن نغضّ البصر عن الجانب الآخر من الوادي.. وعليه، فلننظر الى رجلٍ يرأس الوزراء في أديس أبابا، مقلّداً بأحدث جائزة نوبل للسلام، اسمه أحمد، ويتقن الشهادتين على غرار ما تتقنها عاصمة المليون مئذنة في القاهرة..

ولنتأمّل بإيمانٍ مشترك بين أهل الكتب السماوية المقدسة، وبقراءة مشتركة في معايشة الإنسان المسالم المتنفّس مجّاناً على كوكب الأرض الجميلة الهواء الطلق، وبنصوصٍ مشتركة منها «وجعلنا من الماء كل شيء حيّ».. فلنؤمن ذلك الإيمان المشترك بين أديس والقاهرة، والذي يعطي الأولوية لحياة الأرواح المليونية المتساوية لدى الطرفين بالماء والكلأ، قبل أن نضع أولوية صناعة الدولار بالكهرباء في قارة أفريقيا..!

أحمد إبراهيم

* كاتب إماراتي


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات