كانت سنة 1975 بداية الحرب الأهلية في لبنان، وقد استمرت حتى عام 1990، ولمدة خمسة عشر عاما، وكان الرابح الوحيد فيها هم زعماء الطوائف، لقد كانت لهم فيها تجارة رابحة، وقد اثرى زعماء الطوائف من هذه التجارة على حساب المصلحة الوطنية للبنان، وقد وجدت في بعض زعماء تلك الطوائف من يساعد اسرائيل لاجتياح لبنان حتى وصلت قواتها الى وسط العاصمة بيروت، إلا أن الشعب اللبناني انتفض في وجه ذلك الاجتياح وشكل مقاومة لصده عام 1982، وبذل الغالي والنفيس، وقدم الشهداء حتى تم له النصر في سنة 2000 ونجح في طرد اسرائيل عن أرضه في الجنوب اللبناني ماعدا مزارع شبعا والغجر.

أما زعماء الطوائف وبعدما لحق لبنان من دمار كان ضحيته الشعب اللبناني، اضطروا لإيقاف الحرب وعقد اجتماع في الطائف، ووضعوا ميثاقا بينهم في معزل عن الشعب اللبناني، كرسوا فيه الوضع الطائفي بما يشبه الدستور.

تقاسموا فيه، وهم في معزل عن الشعب اللبناني، المصالح الوطنية على حساب اتباعهم من الشعب اللبناني، كما تقاسموا السلطة بينهم، وكرسوا في ذلك الميثاق نظام المحاصصة في كل مرافق الدولة، ووضعوا مفاتيح تلك الحصص الادارية والقضائية في ايديهم، ليتحكموا بمرافق الدولة والشعب اللبناني والتحكم بلقمة عيشه، ليبقى المواطن رهين طاعتهم ان كان راغبا في وظيفة أو قضاء أي مصلحة، أو ممارسة أي حق من حقوقه كمواطن لبناني، فخضع الشعب اللبناني لإرادة زعمائه غير قادر على عصيانهم رغبة في الخلاص من آثار الحرب الاهلية، والزعماء اقنعوه بوصايتهم عليه، واقتسموا موارد الدولة حتى افقروا الشعب اللبناني، وراح الشعب يبحث عن عمل له في كل بلاد العالم ليحول لأهله مكاسبه لإعاشتهم وليغذي موارد الخزينة اللبنانية، بينما الزعماء قابعون يتقاسمون تلك الموارد ليعيدوا تصديرها لحساباتهم الخاصة في الخارج، حتى تعطلت مشاريع الدولة، وغابت عنها الكهرباء، وطفحت شوارعها بالنفايات، ولم يعد الشباب قادرا على الحصول على أي وظيفة أو عمل، وشردت العوائل في الشوارع لعدم الحصول على سكن، وجاعت البطون فلا تجد لقمة العيش، وكتم الشعب آلامه حتى نفد صبره لتراكمها طوال تلك السنين فانفجر يوم 17 اكتوبر معبراً عن آلامه بآهات ولاءات للخنوع للوصاية الطائفية من قبل زعمائهم، وخرجوا إلى الشوارع في حالة تجمعهم مطالبهم بحقوقهم القانونية والوطنية دون المرور بزعاماتهم ليحطموا ذلك الطوق الطائفي الذي كان يطوق أعناقهم، لقد كسروا حاجز الخوف والارتهان لهم لنيل حقوقهم، وهذا أهم إنجاز حققته ثورة الشعب اللبناني السلمية، مما اضطر زعماء الطوائف الى إرخاء قبضتهم والتسابق الى محاولة تبني هذه الثورة، وتبني مطالبها العادلة، وفي مقدمتها وضع قانون انتخابي على اساس غير طائفي لا يقتسم نواب البرلمان المقاعد على أساس طائفي، وحكومة كفاءات تكنوقراطية غير حزيبة طائفية، والسعي الى وضع دستور لا يقوم على تقسيم السلطات الثلاث تقسيما طائفيا، وهنا تكون المراهنة على عدم انحراف هذه الثورة، وذلك يعتمد على وعي الشعب اللبناني لكي تستمر الثورة لتحقيق أهدافها، وعدم الاستجابة للتدخلات الخارجية لاستغلال الثورة لإسقاط الدولة في حرب طائفية ثانية.

مصطفى الصراف

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات