من تابع حركات الاحتجاج والتظاهر في لبنان والعراق.. لم يملك إلا أن يتساءل: لماذا أغرق اللبنانيون شوارع وساحات بلادهم بالغناء والرقص والورد وبكل مظاهر الحياة... بينما نزفت بغداد والبصرة وغيرهما أنهاراً من دماء أبنائها؟

الهدف كان واحداً.. إسقاط النظام أو إسقاط الفساد ومؤسساته.. كلتا الثورتين جاءت كنتيجة مباشرة لسنوات طويلة من الظلم.. وغياب الخدمات، وشراهية مؤسسة الفساد المفتوحة دائماً على مقدرات الناس وثروات البلد! لكن ومع ذلك فقد اختلف مناخ كليهما... فالجيش الذي تسبب في جرح بعض الأفراد في لبنان اعتذر.. وتهافت المسؤولون للتعبير عن أسفهم للحادثة.. وقناعتهم بحق التعبير السلمي.. بينما انطلق وابل الرصاص الحي ليحصد أرواح المتظاهرين في بغداد فيسقط القتلى برصاص القناصة وبفعل القوة المفرطة للأجهزة الأمنية!

وبعيداً عن أهداف كلتا الثورتين يرصد المراقب اختلافاً حاداً في مناخهما قد يكون انعكاساً مباشراً للاختلاف في طبائع كلا المجتمعين! وهو أمر تناوله بعض علماء الاجتماع... مثل «مونتسكيو» الذي يرجّح تأثير الطبيعة والمناخ على طبائع الشعوب وسماتهم الفكرية ومزاجهم بشكل عام. كذلك وصف «ابن خلدون» في بعض فصول مقدمته «البداوة المتوحشة» التي تفر من الاستقرار والعمران وتهدم المباني لتستخدم أحجارها للقدور.. وتهد السقف لتتخذ من أخشابه أوتاداً للخيام.. وقد أسهب «ابن خلدون» في مقدمته الشهيرة في الحديث عن علاقة الإنسان ببيئته وأثر المناخ فيها على طبائع شعوبها.. حيث تؤدي البيئة الطبيعية الأولى إلى تشكيل الصفات النفسية للشعوب.. فطبائع سكان المناطق الباردة تختلف عن الذين سكنوا مناطق حارة.. كذلك يختلف مزاج أهل الجبال عن أهل السهول وهكذا.

لكن ومهما اختلفت الثورتان في العراق ولبنان بما يتعلق بالمناخ الذي صاحبهما... تبقى هنالك عوامل مشتركة دفعت الناس في كلا البلدين للخروج مناضلين بأجسادهم وحناجرهم.. فالأزمات الاقتصادية تضرب عميقا في العراق كما في لبنان والحواضن الطائفية تتصدر المشهد السياسي في كلتا الحالتين.. هذا بالإضافة الى تزاحم اللاعبين الدوليين والاقليميين على كلا المشهدين.

الخلاصة أن ما يجمع بين انتفاضتي العراق ولبنان أكبر بكثير مما يفرقهما.. خاصة بعد أن نزعت الجموع الغفيرة التي اجتاحت الساحات ثوب «القداسة» عن بعض الرموز السياسية والدينية والعسكرية.. وسواء كانت الانتفاضة على وقع الموسيقى أو على صوت الرصاص.. تبقى مسبباتها ومحركاتها واحدة.. وتظل الآمال معلقة بنتائجها القادمة، التي ستعيد حتما أرز لبنان شامخاً على سفح جباله وسيعود معها العراق منارة تتوهج عدلاً واستقراراً.. بعد أن تتراجع في كلتا الحالتين ثنائية العسكر والمؤسسة الدينية التي زجت بكلتا الدولتين في غياهب التيه.

سعاد فهد المعجل

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات