بعد الحرب العالمية الأولى اقتسمت بريطانيا وفرنسا وايطاليا العالم العربي، وحكمت دوله استعماريا عسكريا استيطانيا، إلا أن الشعوب العربية واجهت ذلك الاستعمار بثورات في كل مكان بما سمي «الثورة العربية الكبرى»، وقد توج ذلك النضال بثورة 23 يوليو 1952 في مصر، ثم دول عربية أخرى، فكان استقلالها سيد الموقف، إلا أن أميركا جاءت لتحل محل ذلك الاستعمار الاستيطاني باستعمار جديد ألا وهو الهيمنة الاقتصادية ضمن استراتيجية عالمية مدعومة بقواتها العسكرية، كونها لم تدخل الحرب العالمية الثانية إلا في نهايتها، وكانت في أوج انتعاشها الاقتصادي بعد أزمة 1929 الاقتصادية.

وفي أواسط الستينيات ظهر المحافظون الجدد على مسرح الأحداث، وبدأوا بوضع خططهم الامبريالية للسيطرة على الاقتصاد العالمي ولو بالقوة المسلحة اذا لزم الامر، كمشروع روجرز لملء الفراغ في الشرق الاوسط، وتلت ذلك مشاريع عدة في ما يخص المنطقة العربية آخرها الشرق الاوسط الجديد، وكانت تلك المشاريع والسيناريوهات تتبدل كلما باء أحدها بالفشل، وكانت نتائجها فاشلة في معظمها، وناجحة في جني بعض ثمارها وفقا لظروف كل دولة.

ولكن لم تختلف أي من هذه المشاريع أثناء تنفيذها عن كونها تقوم على سياسة الخداع والكذب والتعالي في التعامل مما كان ذلك يساعد على فشل سياسة أميركا الخارجية، وبعد نصف قرن من تلك السياسة المتعالية، بدأت دول العالم الثالث خاصة تبذل المحاولات للتخلص من براثنها التي غاصت في أجسادها، وبدأ تكوين التكتلات لمواجهة هذا الاستعمار الامبريالي، وأولها كان دول عدم الانحياز، ثم دول الاتحاد الافريقي، والاتحاد الاوروبي ومجموعة شنغهاي.. إلخ، لذا بدأ النفوذ الامبريالي يتقلص شيئا فشيئا، وقد أدت تلك السياسة المتعالية المتسلطة الى تقهقر الاقتصاد الاميركي، وبدأ الاقتصاد الصيني يظهر تفوقا عليه في التجارة العالمية. وأما في المنطقة العربية، وهي الحديقة الخلفية للبيت الاميركي، فقد بدأ التذمر من تلك السياسة الخرقاء المتعالية يظهر على السطح، وبدأ النفوذ الاميركي فيها يتقهقر ليحل محله النفوذ الروسي، لا سيما في السنوات الاخيرة وبقيادة الرئيس بوتين، فقد بدا واضحا نشر علاقات روسيا السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية بين مختلف دول العالم بما فيها الدول الأوروبية، بالاضافة الى الدول العربية والأفريقية، وذلك بسبب سياسة روسيا القائمة على الحفاظ على مبادئ هيئة الأمم المتحدة، والتعامل مع الدول على أساس من الاحترام المتبادل، والحفاظ على انتشار الأمن والسلم الدوليين، خلافا لما كانت تقوم به أميركا وما زالت في الاتجار باثارة النزاع واشعال الحروب بين دول العالم لخدمة مصالحها ضاربة القوانين والاعراف الدولية.

مصطفى الصراف

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات