عبدالله سالم السلوم

عبدالله سالم السلوم

إن المعضلة يا سادة ليست بتلك المعضلة الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية أو الدينية وحسب، إنما هي بحد ذاتها معضلة اقتصادية تتفرع منها آثار سلبية في شتى المجالات سالفة الذكر. وإذا ما ظللنا نحتكم إلى قوانين تفتقر إلى المقومات الاقتصادية الرصينة فلن نجد حلولا منطقية لتلك المعضلة. لا شك أن الإصلاح السياسي أمر ضروري، ولكنه قد لا يصب في المصلحة العامة إن لم يدرك الوجهة الاقتصادية الصحيحة، الأمر الذي سيصنع – بعد عقود من الزمن – نظاما سيئا كالنظام الذي نشهده في وقتنا الحاضر في الدول المتخلفة.

يتحتم علينا أولا التطرق إلى العلاقة بين الاقتصاد الجزئي والكلي، فالاقتصاد الجزئي هو ذلك الاقتصاد الذي يدرس سلوك الإنسان تجاه ندرة احتياجاته، أما الكلي فهو الذي يدرس سلوك الاقتصاد الجزئي تجاه اقتصاد الدولة ككتلة واحدة. بذلك ندرك بأن سلوك الإنسان مبني على معطيات في الاقتصاد الجزئي، التي كانت نتاج معطيات أعلى رتبة في الاقتصاد الكلي. ولا شك في أن لكل منهما نظرياته الخاصة. والعلاقة بينهما تستوجب الممارسة نوعا ما، فمن البديهي حل إحدى مشكلات الاقتصاد الكلي بوساطة قرار يخضع لنظريات الاقتصاد الكلي، والأمر مماثل في الاقتصاد الجزئي. ولكن، هل من الممكن حل معضلة ما في الاقتصاد الكلي بوساطة قرار خاضع لنظريات تعتمد على الاقتصاد الجزئي؟ بالطبع لا، بالرغم من إمكانية حدوث العكس. أي أن حل قضايا الاقتصاد الجزئي يتم عن طريق آليات الجزئي أو الكلي أو بكليهما. أما قضايا الاقتصاد الكلي فيتم حلها وفقا لآليات الاقتصاد الكلي فقط.

عند العودة إلى تلك المعضلة الاقتصادية المتمثلة بمجموعة كبيرة من المشكلات الصغيرة، يمكن الجزم بأن أغلب قضايا الفساد الإداري – الناتجة عن قصور في التشريع، والمرفوضة وفقا للأعراف العامة – تتحدر من الاقتصاد الجزئي كونها تتطرق إلى سلوك الإنسان – سواء كان من الكوكبة أو مؤيديها أو معارضيها أو المحايدين – المندفع برغبته في إشباع احتياجاته المتمثلة بالمال أو السلطة أو الجاه. ولحل تلك المشكلات يجب السعي في سد القصور التشريعي، على مستوى الاقتصاد الجزئي، في ما يتعلق بتلك التجاوزات غير المقبولة – وفقا للأعراف –. ولكن هذا الأمر أشبه بالمستحيل كون المشرع هو من يتعايش – منتفعا أو متضررا – مع تلك المشكلات التي نواجهها اليوم. الأمر الذي يصنع تصادما – نزاعا «تضارب المصالح» – كما أسلفنا الذكر مرارا، ونتج عنه قضايا اجتماعية وسياسية، وبالتالي اقتصادية أخرى صانعة تلك المشكلة المعقدة.

يرجع مفهوم المشكلة المعقدة أو العودية إلى المعنى الذي ينص على أنها تلك المشكلة الكبرى التي تتكون نتيجة نشوء مشكلات صغيرة متعددة ترتبط في ما بينها. ويبدأ هذا النوع من المشكلات بظهور مشكلة واحدة صغيرة، تتسبب هذه المشكلة بظهور مشكلة صغيرة ثانية، وتلك الثانية تولد مشكلة ثالثة، وهكذا بالتتابع وصولا للمشكلة الأخيرة التي تزيد من حدة مساوئ الأولى. تتكرر الدورة ابتداء من المشكلة الأولى بآثار ومعطيات سلبية أكثر حدة، الأمر الذي يزيد من مساوئ المشكلة الثانية التي بدورها تزيد من مساوئ المشكلة الثالثة، والثالثة تؤثر كذلك في المشكلة الأخيرة، حتى يعود التأثير للحلقة الأولى من السلسلة، فتكون نتائج المشكلة الأخيرة عودية على الأولى. وبذلك، تكبر فقاعة المشكلة التي كانت من صنع نمط العودية المتعلقة بالمشكلات الصغيرة، هذه الفقاعة يطلق عليها اصطلاحا «المشكلة المعقدة».

ونتيجة لتلك العقبة – عقبة نزاع «تضارب المصالح» – التي شكلت معضلة أمام كل من يسعى لتحسين الوجهة الاقتصادية لدولة الكويت، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي من خلال تحسين دور مؤسسات الدولة أو القطاع الخاص أو خلق بيئة اقتصادية جاهزة للاستثمار الأجنبي، أما وجب الالتفات لحلول الاقتصاد الكلي التي تبدو قادرة على التهام مشكلات الاقتصاد الجزئي سالفة الذكر؟

عبدالله سالم السلوم

باحث في الشؤون الاقتصادية

alsalloumabdul@

contact@abdullah.com.kw

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات