أنعم الله على الكويت وأهلها بمظهر اجتماعي لافت دون غيرها من دول المنطقة، بل العالم أجمع، تمثل في وجود الديوانية التي تعد بالإضافة إلى كونها تخدم الناحية الاجتماعية، فإن لها أبلغ الأثر في النواحي الحضارية الأخرى، لا سيما النواحي الاقتصادية والسياسية والثقافية.

وكان الغرض من إنشائها ابتداء حاجة الكويتيين من أهل البحر إلى مكان يتجمعون به ويتدارسون أمورهم المتعلّقة بالغوص على اللؤلؤ، والسفر الشراعي، وكان كبار القوم خصوصاً من الأسرة الحاكمة ونواخذة السفن وكبار التجار في مقدورهم فتح الديوانية لما لها من مستلزمات، أولها توافر المكان الملائم، وتوافر حاجيات الديوانية من الموقد والقهوة ودلالها وفناجينها والتمر وغيره، فضلاً عن توفير الشاي وأباريقه ومستلزماته من السكر وغيرها، وكذا تعيين من يتولى أمر الخدمة فيها.

ويخصص للديوانية مكان قريب من باب المنزل، يفتح بابها مباشرة على الخارج، وبعضها له حوشه الداخلي الذي يُجلس فيه حال كون الجو مناسباً للجلوس. ويلحق بالديوانية عادة ركن أو حجيرة يعد فيهما الشاي والقهوة، وتتوافر فيهما ما أسلفنا من أدوات لازمة. وأشهر الديوانيات قديماً تلك التي كانت تقع قبالة الساحل مثل العسعوسي.

والدواوين الكويتية في أوقات فتحها متنوعة، منها ما يفتح بعد صلاة الفجر إلى وقت الضحى، ومنها ما يفتح بين المغرب والعشاء، ومنها ما يفتح بعد صلاة العشاء ويمتد إلى ما شاء الحاضرون المكوث فيها، ومنها ما يفتح طوال اليوم للغادي والرائح.

ولقد زادت أهمية الديوانية بتطور النظام السياسي في دولة الكويت وظهور الديموقراطية، فغدت الديوانية مسرحاً يتم فيه تجاذب الأحاديث السياسية واستضافة من خبروا السياسة ودهاليزها، ومكاناً أساساً يرتاده المرشحون لمجلس الأمة والمجلس البلدي وغيرهما من المجالس.

وعلى الجانب الاقتصادي، فإن كبار التجار والصناع والمزارعين وغيرهم تنافسوا في فتح ديوانيات خاصة يجتمعون فيها ويتباحثون أمورهم الاقتصادية وما يلحقها من أحوال تخدم أعمالهم وأشغالهم.

وبعض الديوانيات أضحت منتديات ثقافية يرتادها أهل الفكر والثقافة من الشعراء والأدباء، وتنافسوا في استضافة المبدعين منهم، فأثروا الحياة الثقافية مسيرة وأصالة.

أما الجانب الاجتماعي، فهو الأكثر حظاً، فالديوانيات غدت مكاناً لاستقبال الناس في المناسبات والأعياد، وكذا مكاناً للعزاء، وقد تنوعت في أنواعها وروادها، فحديثاً أصبحت الديوانية جزءاً أصيلاً في أغلبية البيوت الكويتية، كما تضافر أبناء الأسرة الواحدة على فتح ديوانيات عائلية خاصة بهم لها طابع مميز يخدم من ينتمي إليها في شتى المجالات، وكذا الحال بالنسبة لبقية شرائح المجتمع الكويتي من أهل المكانة والثراء. وإن كان أهل تلك الديوانيات من محبي الألعاب التي ارتبطت بالديوانية، فإنهم يمارسون لعبة المحيبس، وبعدها أدخل الشباب لعبتي «كوت بو ستة» و«الهاند» وغيرهما، وفي شهر رمضان وغيره تقام المسابقات بين رواد الديوانيات وخاصة «كوت بو ستة».

تبقى الديوانية الكويتية لها أهميتها في حياة أهلها شيباً وشباباً، وإن كان الأمر قاصراً على الذكور، فإن بعض النساء قد بادرن بفتح مثيلاتها، خصوصاً بعد السماح للمرأة بالترشح لمجلسي الأمة والبلدي.

د . سعود محمد العصفور

dr.al.asfour@hotmail.co.uk


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات