في غمرة سكون الليل وهدوء الكون، كنت أعيش وحيداً في ليلة من ليالي صيف المغرب الشقيق، أنظر من فوق شرفة منزلي المطل على شاطئ المحيط الأطلسي، وكنت أستمع بإمعان شديد إلى حفيف أمواج البحر وهي تداعب برفق وتأن رمال صخور الساحل وكأنها بذلك تحاول أن تبعث فيها روح الحياة. استهواني ذلك المنظر وعادت إلي في تلك اللحظات ذكرى ما جاء في قصيدة شاعر العروبة والمهجر شاعرنا الكبير إيليا أبو ماضي الذي أراد بقصيدته الطلاسم أن يستشف ويكشف أسرار البحر بمناجاته الرائعة له حين قال:

قد سألت البحر يوما: هل أنا يا بحر منكا؟

هل صحيح ما رواه بعضهم عني وعنكا؟

أم ترى ما زعموا زورا وبهتانا وإفكا؟

ضحكت أمواجه مني، وقالت: لست أدري!

لقد أراد الشاعر الكبير إيليا ابو ماضي بلسان الانسان في قصيدته هذه أن يعرف مضمون القول الذي يقول إن الانسان خلق من الماء، وقد جاء ذلك بذكر الله في كتابه العزيز، إذ قال سبحانه «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» (صدق الله العظيم). إلا ان البحر بعظمته وشموخه احتفظ بأسراره ولم يرد على سؤال الانسان ايليا ابو ماضي بل أناب للرد عنه «امواجه» التي تهربت من الرد بضحكاتها وقولها للانسان لست أدري، وبذلك أضافت بردها هذا إلى الغموض غموضاً ولم تكشف هذا السر الرباني الأزلي الذي لا يزال يعد سراً من أسرار الكون... نعم البحر.. هو البحر لا يعلم أسراره إلا الله خالقه سبحانه وتعالى.

محمد سالم البلهان

* سفير سابق


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات