لا يمكن إلا أن نحترم شعب لبنان الشقيق وندعو الله له أن يجتاز محنته بسلام.. فهذا الشعب مختلف عن كل الشعوب الأخرى في أسلوب عيشه في وقت السلم والشدة، وهو مختلف في إعلان ثورته واحتجاجه ضد التعسُّف والفساد، وفي تعبيره عن صعوبة حياته الاقتصادية ومعاناته اليومية.. حيث خرجت جماهيره تملأ الشوارع وتسد الطرقات وتعبّر بصوت واحد عن رفضها واقعا صعبا، ملتحمةً ومتجاوزةً كل الاختلافات الفئوية والدينية والسياسية التي كرّسها السياسيون.. معبرةً، هذه الجموع، بأسلوبيها الناعم والقوي عن رفضها ما خلقه أصحاب الأجندات السياسية وذوو المصالح الشخصية الذين عمَّقُوا الاختلافات بين أبناء الشعب الواحد وسرقوا قوت يومهم.. فصرخ الشعب في وجوههم المشدوهة بأن يرحلوا «كلن يعني كلن»، سواء من اعتمر العمامة كمظهر ديني، أو من امتطى صهوة الحزب السياسي ليصل إلى سدة الحكم.

طالبهم الشعب بأن يرحلوا جميعهم حتى تصلح أحوال حياته ومستقبله.. ولم يكن لبنان وحده الذي ثار على واقعه في هذا الشهر الذي أسماه المراسلون في العالم «زمن الثورات».. فقد تزامنت ثورته مع ثورة شعب «تشيلي» وهي واحدة من أغنى دول أميركا اللاتينية ومن أسوئها خللاً في توزيع الثروة حتى أفرز هذا الخلل طبقة سياسية ثرية ومستفيدة وطبقات شعبية تعاني.. كذلك ثار شعب «الأكوادور» للأسباب نفسها مطالباً برحيل الفاسدين من السلطة وتصحيح أوضاع الشعب المغلوب على أمره.. وقبلهم ثار شعب العراق على سياسييه الفاسدين.

تزامنت الأحداث وتشابهت ثورات الشعوب وقصصها وشجع بعضهم بعضه الآخر عبر التواصل الافتراضي والفضاء الإعلامي المفتوح.. وهيَّأ تشابه ظروف نشأة الثورات (وهنا بيت القصيد) انطلاقها.. فثارت الشعوب ضد فساد السياسيين، سواء أكانوا حكومات أو مجالس نيابية.. والعاقل والكيّس من يتعظ من هذه القصص .. فتركيبة شعوبنا اليوم مختلفة ووعيها وسقف تطلعاتها عاليان.. فالشباب المتعلم هم الأغلبية، ولن يتوانى هؤلاء عن التعبير بأشكال شتى عن خيبة أملهم وعدم رضاهم عن عدم تكافؤ فرص توظيفهم وعيشهم حتى لو تسامحوا بعض الوقت، والدرس الذي تسوقه هذه الثورات هو درس واضح ومفيد لجميع السياسيين.. وبالنظر إلى واقعنا المحلي نقول إنه لا يمكن أن يستمر هذا الفساد المستشري في معظم مفاصل الدولة، ولا يمكن أن يقبل الشعب بخنوع الحكومة الذي اتخذ أشكالاً ومظاهرَ عديدة تزداد شدة وضراوة مع قرب موسم الانتخابات النيابية.

والشواهد كثيرة، حيث ازدادت وتيرة المنع والتشدد نزولاً عند رغبات نواب وتيارات التعصُّب، والسماح للنواب بخلق حكومات داخل الحكومة الرسمية على هيئة مراكز خدمات هو أمر مستهجن، كما لم نرَ أي رد فعل على من تشدق بالوصول إلى جميع دوائر الدولة حتى الأمنية والداخلية لتخليص المعاملات أو التوظيف وهذا أمر غريب! تزايدت النعرات القبلية والطائفية والانتخابات الفرعية وتعاظمت الواسطات التي ترفع من لا يستحق وتهدر حق المستحق.. وسنرى قريباً كما رأينا من قبل «خياش» العطايا والهبات من المال العام لكسب الولاء السياسي.. كلها مظاهر نعايشها تقلق أصحاب الضمائر منا وتحتاج موقفا شجاعا وسياسيا مصلحا، فالعبرة لكم أيها السادة المسؤولون من أحداث الغير.. وحتى نحصّن بلدنا، يجب أن يكون الإصلاح السياسي منهجاً متبعاً، لا شعــاراً يرفع وليكن للهيبة والحكومة عنوان اسمه «الإصلاح لا كسب الود».

والله الموفّق.

د. موضي عبدالعزيز الحمود

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات