حين هبت رياح الربيع العربي على دول المنطقة، لم يكن لبنان والسودان والجزائر والعراق من الدول التي تأثرت بهذا الزلزال المدوي، فشعوبها ربما لم تقتنع‪ ‬آنذاك بضرورة التظاهر ضد أنظمة الحكم هذه لأسباب عدة، من بينها محافظة تلك الحكومات على حد أدنى من الحالة المعيشية الكريمة.

لكن هذه الشعوب نفسها، وبعد 8 سنوات من الصبر على حالة التردي المعيشي، قررت أن تثور على حكوماتها، فسقط نظاما الحكم في السودان والجزائر، وتهاوى النظام التقليدي في لبنان والعراق من دون أن يسقط لجهة تنفيذ مطالب المتظاهرين.

الفساد لم يعد ذلك اللص الشاحب الساذج، الذي يسرق محافظ العجائز ويُعرف ويلاحق بسهولة، فالفساد في عصر شبكات التواصل الاجتماعي أصبح ذلك الرجل الأنيق، الذي يرتدي بدل السموكنغ السوداء الفخمة والقمصان الفرنسية الملونة، أو البشوت النجفية الذربة، وأصبح ذلك المثقف الذي يتألق بانتقاد الأوضاع العامة ويحذر من الفساد وهو مصدره.

البحث في عمق الأزمة في الدول العربية يقودنا دوما إلى سبب جوهري لكل ما يحصل من تردّ وتراجع ومن قلاقل وتظاهرات.

انه تصاعد معدلات الفساد، بحيث لم تعد موازنات الدول تستطيع أن توفر الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم.

في الكويت يجب علينا جميعا أخذ العبر مما يحصل في الإقليم من تغيرات، ففي مسألة الفساد علينا أن نجد طرقا عديدة لمحاربة الفساد بأنواعه المختلفة، قبل أن تصل الحال فينا إلى مرحلة الخروج للشارع.

والمسؤولية في محاربة الفساد لا تقع فقط على المؤسسات الرسمية والرقابية، بل تقع أيضا بالدرجة الأولى على مؤسسة الاسرة، فالأب والأم لهما دور كبير جدا في مسألة تنشئة الأبناء على النزاهة والأمانة والإخلاص في العمل، وعدم الانزلاق إلى ممارسات تقود لاحقا إلى الوقوع في براثن الفساد.

هناك من يقول ان هناك مبالغة في الحديث عن الفساد هنا في الكويت، وأن تكرار مثل هذا الحديث قد يسيء إلى سمعة البلد.

هذا الرأي يحمل بعضا من المنطق، فالحديث عن الفساد يجب أن يكون محددا، وموجها لوقائع معينة، ويجب أن يجري بتجرد، ومن دون أن تكون الغاية منه مجرد تسجيل مكسب انتخابي، أو محاولة لخلق نفوذ معين.

وأيضا محاربة الفساد لا تكون فقط بتعداد حالات الفساد بصوت عال في القنوات الفضائية، فتكرار ذلك قد يحبط الجهود الوطنية المخلصة التي تجري في صمت من أجل ذلك.

الأهم من ذلك كله ألا تقع الحكومة في منزلق فرض الضرائب، ومزيد من الرسوم المالية على المواطنين، في ظل ضعف متابعة ومراقبة ومحاسبة من ينتهك الأموال العامة، ويتسبب بالهدر المالي الموجع للموازنة العامة.

هذا بالضبط ما تشير إليه تقارير ديوان المحاسبة، فالهدر بالفعل أصبح موجعا، وهذا بالضبط ما جعل الشعوب العربية تخرج عن «طورها».

داهم القحطاني

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات