أثبت الأخ الزميل أحمد الصراف في «النفيسي واللورد تريفليان» في القبس بتاريخ 15/10/2019، أن كثيرا مما ورد في مقابلة الدكتور عبدالله النفيسي مع عمار تقي في «الصندوق الأسود» كان بحاجة الى تصحيح. فقد كان لقاء عمار تقي مع الدكتور عبدالله النفيسي حول مقابلة أجراها الدكتور النفيسي مع اللورد همفري تريفليان، الذي ذكرنا الدكتور النفيسي بأنه كان يهوديا شكلا أو ملامح وسلوكا. ومما ذكر الدكتور النفيسي عن بخل اللورد تريفليان أنه طالب بتسديد قيمة الكهرباء التي استهلكتها المصابيح المستخدمة بالمقابلة إضافة الى مقابل للمقابلة. هذا وعرفنا من الزميل الصراف أن اللورد تريفليان لم يكن يهوديا من «عائلة تريفليان اليهودية الشهيرة» وإنما مسيحيا. وكان جده أسقفا في الكنيسة الإنجيلية. هذا كما تطرق الزميل الصراف إلى أخطاء أخرى وردت في مقابلة النفيسي مع عمار تقي تتعلق بالتواريخ، التي خدم فيها اللورد همفري تريفليان في منطقتنا. لكني أفضل أن أركز على ملامح وبخل اللورد تريفليان «اليهودي»، الذي يبدو فيه الدكتور النفيسي خير ممثل للتعرف على نمط الشخصية اليهودية في الذهن العربي.

فلا شك أن كلام الدكتور النفيسي أصبح أكثر جاذبية للمشاهد بعد وصفه اللورد تريفليان بأن خشمه أو أنفه يهودي، وأنه طلب مبلغا مقابل إجراء المقابلة، أما تطرقه بطلب مقابل مادي للكهرباء المستهلكة أثناء المقابلة فهو المعزز الأهم لشخصية اليهودي في الذهنية العربية. وقد تعززت هذه الصورة للتعويض عن هزائمنا أمام إسرائيل. فعلى حد تعبير الدكتور النفيسي «نحن العرب طيبون مقابل هؤلاء اليهود البخلاء». وامتدح الدكتور النفيسي كرم السياسي اللبناني الراحل بيير الجميل، مع أن الحزب الذي أسسه كان الأكثر قسوة ووحشية بالتعامل مع الفلسطينيين - كما شهدت عليه مذابح صبرا وشاتيلا في سبتمبر من عام 1982.

وهذه الشخصية النمطية لليهودي، التي تتسم بالبخل والجبن، موجودة كذلك في التاريخ الاجتماعي والسياسي في أوروبا. ففي «تاجر البندقية» لشكسبير يقرض المرابي شايلوك أنتونيو، على أن يدفع أنتونيو لحما من جسده إذا لم يتمكن من التسديد لشايلوك. فالذهنية الأوروبية مليئة بالأدبيات المضادة للسامية. وهذه العنصرية الأوروبية ضد اليهود هي التي جعلت من تأسيس دولة يهودية في فلسطين أمرا ممكنا. فما كان ممكنا أن تؤسس إسرائيل من دون هذا الاضطهاد لليهود في وسط شرق أوروبا، الذي وصل أقساه في الهولوكوست في الحرب العالمية الثانية.

فاليهودي لا هو أبخل ولا أكرم من الأوروبي أو العربي. وعمله في مجال الربا كان لأسباب تاريخية تتعلق بصدور قوانين في أوروبا في العصور الوسطى تمنع اليهودي من تملك الأراضي. لذا وجد التاجر اليهودي فرصته بان يقرض من الأرباح المتراكمة لديه لتوظيف ماله. فكان التجار اليهود يقرضون الأمراء والتجار المسيحيين.

هذا ولم تكن علاقة العرب مع اليهود بهذا السوء الذي تولد بعد الهجرة اليهودية لفلسطين. وأصبحت العلاقة في أوج ازدهارها في قرطبة وغرناطة قبل خروج العرب من الأندلس عام 1492. كما أن خيار وطن قومي لليهود في فلسطين لم يكن خيار النخبة اليهودية في فرنسا وبريطانيا، حتى انه عندما أصدرت بريطانيا وعد بلفور عام 1917 كان هناك وزير واحد رفض إصدار هذا الوعد، وكان هذا الوزير هو اليهودي الوحيد في تلك الحكومة. ويشهد التاريخ على الدور الذي قام به العرب المغاربة في حماية اليهود في مسجد باريس ومنحهم هويات على أنهم مسلمون. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هناك الكثير من اليهود في اميركا وأوروبا متعاطفون مع الفلسطينيين. وأهداني مؤخرا الدكتور ساري حنفي – أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الاميركية ببيروت – نسخة من كتاب ساهم فيه الدكتور حنفي مع شخصيات يهودية اسرائيلية بعنوان «تشريح الحكم الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة».

هذا وما زاد اليهود الأوروبيين الاضطهاد إلا علما وتميزا. فمن بين 900 جائزة نوبل في الاقتصاد والطب والفيزياء والكيمياء، كان من بينهم 180 يهوديا، أي أن %20 منهم يهود، مع أن اليهود يشكلون %0.1 من سكان الأرض.

لذا بالرغم من الحروب والهزائم، ولكي نعرف «عدونا» علينا أن ننظر إليه بصورة موضوعية. فصفة البخل إن انطبقت على اللورد تريفليان لا تجعله بالضرورة يهوديا، كما استنتج ذلك الدكتور النفيسي، إنما يمكن أن يكون ابن قس وجده قسا كذلك ويكون بخيلا. كما أن للبخل تاريخا بين العرب يمكن تتبعه من خلال «البخلاء» للجاحظ.

د. حامد الحمود

Hamed.alajlan@gmail.com

@hamedalajlan

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات