كثيراً ما تخيّلت لو أن لفصول السنة شخصيات مثل البشر: فصل فوضوي، وفصل عاطفي، وآخر نرجسي، وغيره أناني، وهكذا..

ربما.. ولأسباب جغرافية، لا نتمتع نحن في هذه البقعة من الأرض بتجربة اختلافات فصول السنة، لكن هناك مناطق أخرى يعلن فيها كل فصل ولادته وقدومه مستعرضاً ملامحه، ومتحدثاً بلغته، معتدّاً بشخصيته.

تُرى، لو أردنا أن نشخّص فصول السنة ونسكب عليها بعضاً من الصفات والسمات البشرية.. فكيف سنصوّر كل فصل؟ نبدأ بفصل الصيف، الذي أشبه ما يكون بإنسان متحرر أسقط الحواجز.. وقفزت قفزاً إلى صدارة المشهد؛ فالصيف على قسوته في بعض المناطق كمنطقتنا، مثلاً.. يحمل عبق الحرية والانطلاقة؛ ففيه تتصالح الشمس مع أجساد البشر.. وتصبح جزءاً من روتينهم اليومي. الصيف كفصل معطاء وكريم تتدفّق من ردهات أيامه هبات نسيم البحر العبقة.. وتتزين الجبال والبحيرات بأبهى ما لديها من مقوّمات جمال وفتنة!

وشيئا فشيئا يطرد فصل الخريف غريمه الصيفي.. ويقتحم الأجواء كروح متمرّدة تتأجّج شقاوة قد تكون عنيفة أحياناً؛ ففصل الخريف كطفل شقي يتلاعب بلبنات الطبيعة ومتاعها بفوضوية عارمة.. ومع ذلك يبقى متميّزاً عن سائر الفصول برعونته وشقاوته وعبثه.. فينصاع الشجر لأوامره وتتساقط أوراقه، وتتحرّك الريح لتواكب سرعته الجنونية فتهتز الأشجار وينزوي الورد وتختبئ براعم الزرع.. ولكنه وهو الفصل المفتون بجماله.. يغرينا كثيراً بألوانه المرسومة بريشة فنان سيريالى مجنون.

ومن خلف شقاوة الخريف.. يتسرّب الشتاء مذعوراً من زخم الفوضى؛ فيسعى كصبي خجول لترميم مشهد الطبيعة.. فيذرف الأمطار.. ويلقي بعباءة الثلج الأبيض ليعيد الحياة إلى الأرض.. لكنه يبقى وهو الخجول عاجزاً عن إحيائها.. فيستكين.. ويكتفي برداء الثلج، على أمل أن يبعث السكينة والهدوء بعد زوابع الخريف الشقي.. لكنه يعجز فيترك مهمة إعادة إحياء الطبيعة لفصل الربيع!!

يبدأ الربيع مختالاً.. كامرأة متغطرسة فاتنة الجمال.. فيحصد بذرة الشتاء ويعيد الأشجار والورد والأغصان الى عروشها السابقة!! الربيع يبدو هادئاً نوعاً ما، لكنه هدوء رتيب قد يكون مملاً أحياناً.. فالرتابة والروتين يقتلان الجمال مهما كان خلاباً... فعلى الرغم من أن الناس غالباً ما يتغنّون بجمال الربيع وأناقته.. فإن قدومه لا يحمل إثارة ونزقاً كما الخريف.

تتنوّع الفصول إذاً، وتتبدل.. كل يحمل سماته الشخصية وبصماته.. لكن يبقى الانسجام مع الطبيعة هو المحرّك الأول لنزوات الفصول.. فهي أولاً وأخيراً تبقى الأم الحاضنة لكل هؤلاء الأبناء العابرين في المواسم. وكل خريف وأنتم جميعاً بخير.

سعاد فهد المعجل

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات