كلمة السر في أزمة القضاء هي الثقة، لأن منظومة العدل لا تستوي من دونها، وهي شرط أساسي لفرض الهيبة والاحترام.

عندما تفشت الرشوة في بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، تقدم أحد المستشارين إلى رئيس الوزراء ونستون تشرشل وأخبره الأمر، فسأله «هل وصلت الرشوة إلى القضاء؟»، فرد عليه «لا»، فقال تشرشل: «إذن بلدنا في أمان وبخير»، ذلك أن القضاء هو جوهر العدالة، والقضاة هم سدنتها وحماتها الساهرون عليها. من الصحيح الإشارة إلى أن التدهور والتردي والفساد لحقت بكل مرافق الحياة في الكويت، لكن التردي في مرافق الحياة شيء، والتردي في السلطة القضائية شيء آخر..

عندما دخل ديغول فرنسا، عقب تحريرها من الغزو النازي، سأل صديقه أندريه مارلو: كيف حال القضاء؟ فأجابه: إنه ما زال ببعض الخير، هنا قال ديغول: إذن، نستطيع أن نبني فرنسا من جديد. لأجل ذلك تبدو أهمية وقيمة القوانين إذا لم يطبقها قضاة مستقلون ومحامون أحرار.

إن قضاة الكويت كانوا وما زالوا ملاذ كل مظلوم، ولا هم لهم سوى تطبيق صحيح للقانون، وانهم يقولون الحق وفق ما تمليه عليهم ضمائرهم وما تسفر عنه أوراق كل قضية على حدة، وعلى كل متضرر في حكم قضائي أن يطعن فيه بالطرق التي رسمها القانون، وان القول بوجود تجاوزات تكون قد وقعت لدى بعض القضاة، فهناك مجال للمحاسبة وفق الطرق المقررة قانوناً داخل المنظومة القضائية وهو ما يتم فعلاً. لا مجال لإثارة مسائل تعكر الصفو العام وتعرقل سير العدالة وتنال من استقلال القضاء، فالواجب أن يكون احترام القضاء والإعلاء من شأنه أمام العالم، وترك أمور الفساد إذا وجدت للمختصين بها، إذ إن أصعب جهة في الدولة يخضع فيها القاضي إلى المراقبة في أعماله وسلوكياته وأخلاقياته هي المعيار الذي بين القضاة بعضهم وبعض، وعلى أقل خطأ يعاقب القاضي ويتم إبعاده عن منصبه مهما علا شأنه.

إن القضاء الكويتي قضاء شامخ يتحلى بالنزاهة والاستقلال، ومعيار المحاسبة للقضاء شديد، ولا يقبل أي تهاون، وهو يحاسب عن سلوكه العام وسلوكه الخاص.. ويظل القضاء ثوباً أبيض ناصعاً لا يقبل أن تلوثه نقطة سوداء. ولهذا، فإن أي قاض تحوطه أي شبهات لا يستمر في عمله.

أزمة القضاء بخروجها إلى الرأي العام أدت إلى أن يتحول الشارع إلى محكمة، وأن تتحول الجماهير إلى قضاة يفصلون فى القضايا.

إن فكرة طرح عبارة تطهير القضاء تعد كلاماً مغلوطاً وغير مقبول.. لأن القضاء يحتاج إلى الاستقلال وليس التطهير.. لأن القضاء قادر على تطهير نفسه بذاته.

ويجب الوضع في الحسبان أن الكويت قامت بالتوقيع على اتفاقيات خاصة بمبادئ الأمم المتحدة فيها إعلان «ليسنخ س» الخاص بمبدأ استقلال السلطة القضائية والحفاظ على الحقوق المدنية والسياسية. إن السلطة القضائية لابد أن تكون لها تشريعات تحافظ على تحقيق العدل بين الناس، وهذا بإجراءات لا بد أن ينص عليها في القانون بإعطاء السلطة القضائية ممثلة في قضاتها صلاحيات من دون التدخل من أي جهة كانت. وهي قادرة على حماية نفسها واستقلالها.

لا جدال أن الفساد استشرى في معظم قطاعات ومؤسسات الدولة، غير أن المؤسسة القضائية تبقى مُصونة ومحمية ومستقلة.

قديماً قال متفائل: هناك ضوء في نهاية النفق. أما في الكويت، فلا نريد أن يكون النفق في نهاية الضوء.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

محمد ناصر السنعوسي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات