هناك جمهوريات وممالك ودول أقيمت على مساحات لا تزيد على الفدادين، ذكرنا منها سابقا «جمهورية الزفتى» التي أقيمت في قرية صغيرة من قرى الريف المصري، و«دولة سيلاند» التي أقيمت على منصة حديدية صدئة في المياه البريطانية، كل هذه الجمهوريات والدول والممالك أقيمت لأسباب لا تخلو من الطرافة، بعضها سياسي وبعضها شخصي وبعضها الآخر فني أو عاطفي.

إحدى هذه الممالك أقامها مزارع أسترالي يدعى ليوناردو كاسلي، ففي أبريل سنة 1970 أعلن هذا المزارع عن قيام مملكة «نهر الهوت» في قارة أستراليا الشاسعة، وعين نفسه ملكاً عليها. أما حدود تلك المملكة، فتشمل مزرعته التي تنتج القمح، وكان سبب اعلان قيام مملكته احتجاجه على اعتماد الحكومة الأسترالية قانونا يحدد المساحة القصوى المسموح بها لمواطن واحد بتملكها من أراضي البلاد.

الحكومة الأسترالية لم تكترث لإعلان الملك ليوناردو انشقاقه عنها، استمر هذا الوضع الطريف حتى سنة 1977 حين فاجأ الملك ليوناردو قومه بإعلان مملكته «نهر الهوت» الحرب على كانبيرا عاصمة المملكة الأسترالية، هذا الإعلان الطريف من الملك ليوناردو لم يحرك شعرة في رأس الحكومة الأسترالية، فقد تجاهلت هذا التحدي أيضا، لينتهزها جلالة الملك فرصة فيعلن انتصاره المظفر في حرب هي أصلا لم تقع.

لم يسكت الملك ليوناردو كاسلي على تجاهل الحكومة المركزية لمملكته، ولكي يميز مملكته عن الأراضي الزراعية المحيطة بها، فقد عمد الى تأسيس صحيفة خاصة بها لم تنشر الا في مزرعته، وعملة محلية لم يجر تداولها، وزاد على ذلك بإصداره جوازات خاصة بمملكته لم يستطع أحد السفر بها.

إلا أن هناك من استغل هذا الوضع الشاذ والكاريكاتوري لتلك المملكة، فقد اكتشف، بعد بلاغ من السفارة الأسترالية في مدينة خليجية، أن هناك من استغل هذا الوضع الاستثنائي لمملكة «نهر الهوت» المجهرية عندما قبض على عصابة ثلاثية قامت بعمليات نصب واحتيال بتخصيصها مكتبا فاخرا في مدينة مجاورة رفعت عليه أعلاما لمملكة «نهر الهوت»، على أنه مكتب للسفير، ليصدّروا منه جوازات سفر باسم المملكة مقابل 20 ألف دولار، فجنى الجناة من ذلك أموالا طائلة من المغرر بهم، فجرى القبض على الجميع بمن فيهم السفير المزيف.

الملك ليوناردو مات أخيراً في سنة 2013، وشيع بلا جنازة ملكية، ومن دون حتى وريث لعرشه، فمملكته التي أقامها في غرب أستراليا لم تحصل على أي اعتراف، لا من الأمم المتحدة، ولا من مجموعة الكومنولث. أما الحكومة الأسترالية، فلم يتلق منها إلا التجاهل التام.

طلال عبدالكريم العرب

talalalarab@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات