آخر التحديثات عن فيروس كورونا في الكويت

26192

إصابة مؤكدة

205

وفيات

10156

شفاء تام

الحرائق كما بدت ليلاً

الحرائق كما بدت ليلاً

بيروت- أنديرا مطر - 

توازياً مع شراسة الحرائق التي اشتعلت في مناطق لبنانية عدة، ارتسمت فداحة غياب الدولة وتقصيرها وعجزها عن التعامل مع هذه الكوارث. فبالتكافل والتضامن بين العوامل الطبيعية، وطبيعة النظام اللبناني، أكملت النيران أمس التهام ما فات الطبقة السياسية التهامه بكساراتها ومراملها، فأتت على الأخضر واليابس في سابقة لم يشهد لبنان مثيلاً لها منذ عشرات السنين.

أكثر من مئة حريق اندلع منذ فجر الإثنين حتى مساء الأمس. واجتاحت النيران مساحات خضراء من شمالي البلاد إلى جنوبيها مرورا بمناطق الجبل، حيث أخطرها كان في جبال الشوف، إذ حاصرت ألسنة اللهب منازل المواطنين الذين هرعوا الى الكنائس والمساجد التي فتحت أبوابها لإيوائهم حيث ابتهلوا واقاموا صلاة الاستسقاء، في حين بدت الصورة كارثية من البحر قبالة المنطقة المحترقة.

وبعد ان تمكنت عناصر الدفاع المدني بمساندة «طائرات قبرصية» من اخماد حريق يوم الإثنين في منطقة المشرف (مدخل الشوف)، ونجاحها في السيطرة على ما يقارب 80 بالمئة منه، أدت الرياح الساخنة وسرعتها الشديدة خلال الليل إلى تجدد الحرائق وتمددها الى بلدات واحراج مجاورة فيما كانت «الدولة» تغط في سبات عميق، فأركان الحكومة كانوا خارجين من جلسة وزراية حامية على خلفية قرار الوزير جبران باسيل بالذهاب الى سوريا. فيما كان القسم الآخر من رجالات العهد يصفقون لباسيل نفسه وهو يعلن خلال عشاء على شرف المشاركين في اللقاء المشرقي الأول أننا «قوة عظيمة قادرة على تغيير وجه الشرق ووجهته واستيلاد كيان مشرقي نموذجي وفاعل».

لبنانيون ورجال إطفاء يعاينون الخسائر الفادحة جراء الحريق | رويترز

في حين بدا لافتا مساندة النازحين السوريين والفلسطينيين اللاجئين في لبنان في عمليات اخماد الحرائق، ووضع الدفاع المدني الفلسطيني في المخيمات أطقمه وتجهيزاته في تصرف الدولة اللبنانية.

ومنذ اندلاع الحرائق بعيد منتصف الليل وحتى ساعات الفجر الأولى لم يسمع صوت، ولم يسجل حضور، لأي نائب أو وزير باستثناء النائب بولا يعقوبيان التي هرعت إلى منطقة الدامور للوقوف الى جانب المواطنين.

طائرة إطفاء قبرصية تخمد النيران في جبال الدبية في الشوف | رويترز

وصباحا تبدى المشهد عن كارثة فعلية. وكما عرّت النيران الأحراج الخضراء وأحالتها جرداً أسود، وعرّت فساد وتقصير النظام برمته، ولسان حال أركانه أن مثل هذه «الامور تحصل في كل بلدان العالم».

اللبنانيون الذين ادانوا تصريحات السياسيين التي وصفوها بالوقحة، قالو ان الحرائق تحصل في دول العالم لكن الحكومات هناك لا تغفو على وقع ألسنة اللهب، ولا تهمل صيانة طائرات الإطفاء، ولا تفلت من المحاسبة فيما لو ثبت اهمالها او تقصيرها في ادارة مثل هذه الكوارث.

وفي مواقف «تبرئة للذمة»، بعد صمت الليل الملتهب، أوعز الرئيس ميشال عون بفتح تحقيق في الأسباب التي أدت إلى توقف طائرات الإنقاذ وإطفاء الحرائق «سيكورسكي» عن العمل منذ سنوات وتحديد المسؤولية، كما طلب اجراء كشف سريع على الطائرات الثلاث والإسراع بتأمين قطع الغيار اللازمة لها.

أما وزيرة الداخلية ريا الحسن فوعدت بمعاقبة كل من يثبت تورطه في الحرائق. ولكن من هم المتورطون؟ الذين اشتروا أو وهبوا طوافات بمبلغ 13 مليون دولار ليرموها في مطار بيروت من دون صيانة؟ أم الذين يمارسون سياسة التقشف على حساب متطوعي الدفاع المدني، رافضين تثبيتهم فيما هم ينفقون نصف مليون دولار على عشاء سنوي لشركة اتصالات الخليوي؟ ام هم الذين يقفون سدا في وجه توظيف مئة وستة موظفين ناجحين في مباراة مجلس الخدمة المدنية لوظيفة حراس أحراج في وزارة الزراعة بذريعة غياب «التوازن الطائفي»؟.

وكما في كل أزمة ومحنة لا بد من اسقاط نظرية المؤامرة الأثيرة على قلوب قسم كبير من اللبنانيين. وقد لا يبدو مستغربا أن يسارع وزير البيئة فادي جريصاتي الى الاستنتاج بأن «الحرائق المندلعة في مختلف المناطق اللبنانية إنما هي مفتعلة»، داعيا إلى إنزال عقوبة الإعدام بحق كل من يعمد إلى إحراق الأحراج.

الاعلامية حليمة طبيعة تبكي على الهواء

البث المباشر لـ «الجديد»: مراسلة تبكي من هول الحدث

الغياب الرسمي للدولة اللبنانية لم يقتصر على سياسيي النظام وأركانه. حتى القنوات اللبنانية التي تتهافت على النقل المباشر عند أي إشكال فردي أو حزبي يستثير النزعات الطائفية لأخذ تصريحات الجمهور غابت وأكملت برامجها المعتادة. وحده تلفزيون «الجديد» حضر الى الميدان لينقل صورة المشهد المأساوي الذي عجزت المراسلة حليمة طبيعة عن احتوائه بالكلمات فأجهشت بالبكاء على الهواء مباشرة وهي تقول «المشهد مبكٍ، دخلت النار إلى المنازل وحاصرت سكانها ونسمع صراخ الناس من دون مساعدة من أحد».

شهيد المروءة.. وأم الفضائح
وسط تساؤل اللبنانيين عن إهدار الزعماء ملايين الدولارات في صفقات وقطاعات مختلفة، وعجزهم عن امتلاك طوافات للحرائق، جاء الرد الصاعق من وزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود؛ ليعلن أن «طوافات السيكورسكي الثلاث التي استقدمت منذ سنوات كانت هبة، وكل التمويل كان خاضعاً لمكتب تدقيق محاسبة»، مشيراً إلى أنّ المشكلة بدأت بعد 3 سنوات عند انتهاء هبة الصيانة التي تكلّف نحو 450 ألف دولار.

هنا بيت القصيد. اقل من نصف مليون دولار هو المبلغ الذي أودى أمس بحياة الشاب سليم أبومجاهد الذي نعاه اللبنانيون، لكونه شهيد الشرف والمروءة. الاب الذي ترك أطفاله لمساعدة أصدقائه بإطفاء الحريق في منطقة الشوف، لكنه توفي نتيجة الاختناق. وهي كلفة القضاء على ما تبقّى من لبنان الأخضر.

تعليقات

التعليقات:

WhatsApp
اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات
    view tracking