الأمانة من أجمل الصفات وأنبلها، أشرف الفضائل وأعز المآثر التي تنشر الثقة بين الناس وتمنحهم الطمأنينة وراحة البال. صفة مُرتبطة ببذل الجُهد وخدمة المجتمع والإيثار والتخلي عن المصالح الشخصية، وقد ذكرنا الله بصعوبتها «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا». تسعى المجتمعات الراقية إلى تعويد أفرادها على الأمانة بتشريع القوانين المناسبة وتطبيقها بالعدل، فالأمانة ثروة أخلاقية عظيمة وصِفَة ملكوتية، ضرورة اجتماعية تُحقق الأمن والسلام، خصلة سماوية تفتح أبواب التقدم والتطور الروحاني. نرى موظفاً يتأخر بالحضور وآخر يُسرب الأخبار ومسؤولاً ينجز القليل، مُدرساً يلتهي بأموره الخاصة وينشغل بالدروس الخصوصية، مُتناسياً رسالته الإنسانية، مهندساً يتغاضى عن التدقيق في عمله، وطبيباً يُهمل المرضى لانشغاله بأموره الشخصية. نسمع بمصنع يتجاهل معايير الجودة لكسب المزيد من المال، وأناس يعتدون على المال العام والخاص، وتاجر يخدع الزبائن، عامل يستخدم وقت عمله المدفوُع الأجر لإنجاز أعماله الخاصة، وآخرين يُوظفون أدوات عملهم لإِتْمام أمورهم الشخصية، وغيرهم الكثير! ويتناسون أن «التجارة سماء، الأمانة شمسها وقمرها». يتسبب هؤلاء القلة في ظلم أنفسهم وتعطيل مصالح الناس وتضرر المجتمع بِرُمَّتِهِ من تصرفات تُخالف أبسط قواعد الأمانة والغفلة عن أننا راحلون عن هذا العالم الفاني خاليّ اليدين إلا من تصرفاتنا وأعمالنا، تاركين جُل ممتلكاتنا المادية؟ وأتساءل كيف يرضى أحد ترك الدين كما وصفه الإمام علي بن أبي طالب (ر) «من ضيع الأمانة ورضي بالخيانة فقد تبرأ من الديانة» باستخدام المال الحرام والتعدي على حقوق الناس؟

يذكر التاريخ قيام شخص بإيداع عقد ثمين عند أحد التُجار برسم الأمانة، عاد الرجل لاسترداد العقد، فأنكر التاجر معرفته به وتظاهر جهله بالموضوع! استغرب الرجل وشكا للخليفة العباسي عضد الدولة، فطلب الخليفة منه الجلوس أمام دكان التاجر لثلاثة أيام وعدم التحدث إليه، وسوف أمر مع موكب الحرس عليك في اليوم الرابع وأنزل من الفرس لأسلم عليك، فرد عليّ السلام وأنت جالس، وإذا سألتك أجب باختصار وقلل الكلام، وإذا انصرفت ذكّر التاجر بالعقد. مر الخليفة على الرجل في اليوم الرابع، نزل وسلّم على الشاكي قائلًا: لم أرك من مدة؟! فرد الرجل: إنني مشغول هذه الأيام وسوف أمر عليك عند الإمكان. ارتبك التاجر وأخذته الرهبة من صداقة الرجل مع الخليفة لدرجة عدم الاعتناء بوجوده، فلما انصرف الخليفة، نادى التاجر الرجل وقال: صف العقد الذي طلبته، فوصفه الرجل وقام التاجر بإحضار العقد، وقدمه للرجل الذي بلغ الخليفة وشكره. عاقب الخليفة التاجر لخيانته الأمانة. فهل ننسى أحياناً الحساب والعقاب السماوي قبل الأرضي؟!

عرفان أمين

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات