في آخر هذا الشهر، تفتح الأبواب لفصل جديد في مسار مجلس الأمة الذي يقترب من نهاية دورته في العام القادم، وتتحرك الشهية للعودة إلى مجلس المزايا والعطايا، مع التفكير في تدابير جديدة قد تسعف النائب المرشح للعودة إلى الفروسية النيابية في الكلام العلني الصارخ من أجل توفير خدمات ترضي المفاتيح المؤثرة في مصيرالعودة.

ومن خلال رصد التجربة البرلمانية منذ عام 1962، يسهل على الباحث تشخيص التباين بين مفهوم المؤسسين الذين درسوا مواد الدستور وبذلوا أقصى الجهد لتحقيق التوافق بين بنود الدستور وبين واقع الكويت، وأعتقد أن الصيغة التي خرجت من ذلك التوافق كانت حلاً وسطاً بين اختلاف المفاهيم والتباين في التفسيرات بين الأعضاء، فبعضهم استوعب المبادئ التي كان الشيخ عبدالله السالم يرى ضرورة تجسيدها في الدستور وبين البعض الآخر الذي كان يرى في الدستور حق المعارضة في الاستجواب وترسيخ مفهوم التدرج المرن الذي يزيد من الدور الشعبي في آلية القرار، وصولاً إلى سلم تداولية السلطة.

كانت فلسفة الشيخ عبدالله السالم أمير الكويت بأن الدستور وثيقة عهد بين النظام والشعب ترسخ قاعدة المشاركة الجماعية التي تستطيع جميع الطوائف أن تدلي برأيها وموقفها دون استبعاد أو تهميش، وأن الكويت وطن لكل الأطياف المرتبطة بوثيقة العهد في الحفاظ على الكويت وعلى استقلالها ونظامها وسيادتها في إطار فيه قضاء مستقل، ورأي مكفول، وقول آمن وحكم عادل.

ومع التجارب برزت تباعدات في التفسيرات وفي المرئيات التي أرادها الشيخ عبدالله السالم كأساس صلب لمسيرة الحياة البرلمانية، كانت هذه التباعدات، بين اجتهادات نحو المزيد من اتساع دور البرلمان في اتخاذ القرار السيادي، وبين الذين يرون أن المشاركة، وهي جوهر الدستور، تحقق طموحات المستقبل.

وتوقفت التجربة عدة مرات بسبب خلاف في الاجتهادات، بين المستعجل في المزيد من الحريات وبين من يرى بأن أهم ما في الدستور هو الحفاظ على الدولة وبنيانها وتأمين سلامتها، انعكاساً لوحدة داخلية فاعلة، ويتم ذلك دون مزيد من خطوات تضعف قوة الوحدة الوطنية وتزعج النظام السياسي، ولهذا جرى حل المجلس عشر مرات، كما لجأت السلطة إلى صيغة تدوير الوزراء بنقلهم إلى مسؤوليات أخرى، كل ذلك بسبب الاستجوابات التي وصلت إلى مئة وخمسة قدمها ستة وتسعون نائباً عبر السنوات الماضية.

وبحثاً عن ترتيبات تخفف من التسلط في الاستجوابات، جاءت الحكومة بفكرة تشكيل لجنة لتنقيح الدستور، ورغم الاجتماعات المتواصلة، لم تحقق لجنة التنقيح أي خطوة يمكن لها تقريب المواقف.. وانتهت برأي جماعي بأن الدستور لا يمس، ويعني ذلك استمرار الأزمات.

والسبب في عجز لجنة التنقيح عن الاتفاق يعود إلى الظرف الزمني الذي رافق نشأتها، فبعد تواصل التعطيل برز شعور قوي بأن التنقيح يهدف إلى تقليص الصلاحيات ويشكل اعتداء على العهد الموثق في التعاون بين الطرفين، كما أن موضوع التنقيح لم يأخذ حقه في النقاش الشعبي العام.

كان يمكن للجنة التنقيح الوقوف عند ثلاثة بنود يمكن علاجها بصورة أفضل، الأول حق نائب واحد في الاستجواب وهذا سبب رئيسي في كثرة الاستجوابات التي يردد نواب الاستجوابات بأن الدستور يمنحهم الحق، كان بالامكان ربط هذا الحق بعدد لا يقل عن ثمانية نواب للاستجواب بدلاً من نائب واحد يجر البلد إلى أزمات وتوترات، والبند الثاني هو طرح الثقة من قبل عشرة نواب، بينما الحرص على التهدئة يفرض عشرين نائباً بدلاً من عشرة، والبند الثالث لا أفهم منطق الوزير المحلل، الموجود داخل الوزارة كضيف الضرورة الدستورية.

هذا أمر انتهى الآن، ففشل لجنة التنقيح وفر للدستور القدسية السياسية، وطالما الوضع مستمر دون تبدلات، فلا مفر من التعامل مع وجود سلة من الاستجوابات في كل فصل، وعلاجها حكم القانون، لكن ذلك لن يجري، لأن الحكومة اختارت الاسترضائيات رغم أننا نعلم بأنه مهما كان العطاء فإن سلوك النواب لن يتغير لأن الترضية صارت نهجاً لا يوقفها سوى اللجوء للقانون وتطبيقه بصرامة، ففيه الحماية التي تصون الحق، ومن لا يرضى من النواب بحكم القانون، لا بد من الاحتكام للرأي العام في الحكم على شرعية رغباته.

المرحلة القادمة لا تتيح لخزينة الدولة تلبية ما يطلبه النواب، لأن النفط يفقد سطوته المالية عالمياً بسبب التكنولوجيا الحديثة واتساع الاستكشافات مع تحسينات لحماية البيئة، ومع عجز الكويت عن استحضار مصادر التنوع في الدخل، فلا سبيل لممارسة الاسترضائيات، وإنما البديل صرامة القيادة والذود عن سلامة القانون، والتواصل السياسي والاعلامي مع الرأي العام مع التأكيد على أن قوة النظام السياسي هي ضمان للكويت، وترسيخ هويتها، والاقتناع بأن الدستور حكم المشاركة وليس حكم المواجهة، وأن ظروف الكويت في واقعها الجغرافي لا تحتمل الاختلال الداخلي ولا الايحاء بوجود ألغام سياسية.

والأمل أن يمر الفصل القادم دون أوجاع أو صداع، مع فهم ناضج لواقع الكويت، فليس فيها حكومة ظل ولا حزب بديل وإنما وثيقة تدعو لتكاتف شامل لمساعدة النظام في صيغة المشاركة وليس المناكفة، فالمزاج الكويتي لن يتساهل مع من يجر الكويت نحو دروب الألغام.

فمن يتمعن بتاريخ الكويت سيقف على مبدأ دائم الحضور في علاقات الكويت مع دول الجوار ومع محيطها الاقليمي، وهو مبدأ مهم «النأي عن المخاطر- RISK AVERSION» التزمت به الكويت إلى حد أننا لم نصغ للتحذيرات التي صدرت من الأصدقاء قبيل الغزو.

وجوهر الدستور يمكن حصره في حقيقتين من الصعوبة إيجاد التعايش بينهما، الأولى: أن الدستور وتراث القيادة وتقاليد الكويت كلها تستوعب جميع مظاهر النقد والمعارضة مهما كانت حدتها طالما أنها تصارعت في إطار شرعية الدولة وضمن سيادتها واستقلالها، ومهما كانت عصبيتها، فالأولوية في أهدافها هو تحصين الدولة وهويتها ومسارها الشرعي.

والثانية - أن الدستور لا يتعايش مع أيديولوجيات عابرة للحدود، ومستوردة من منبع غريب، فالاستقرار في الكويت لا يتحقق مع منطلقات بعثية أو قومية حزبية متأثرة بتوجهات من خارج الحدود.

دستور الكويت سد يعظم متانة الدولة الوطنية وليس له قدرة على هضم اطروحات تمس القماش الوطني الذي صنعه، وعلينا جميعاً احترام هذا الكيان الفريد.

عبدالله بشارة

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات