في سبعينيات القرن الماضي في منتصف فبراير وبرودة ساعات الفجر الأولى القارسة، يدعوك للاستيقاظ صوتٌ هادئ، فتفتح عينيك وأنت متكوّر داخل لحافك وملتصق بشباب أعمارهم ما بين الطفولة والبلوغ، نستيقظ لنتجه نحو باب خيمة المطبخ كي يُسكب لنا ماء حار في كوب صغير لنتوضأ لصلاة الفجر، ننام بأول ركعة ونصحو في الثانية. كان المخيم لنا مرحا ولعبا منظما، يتخلله دروس وقرآن، وكان لقيادات «الاخوان» محاضن البذور في حقل الجماعة، ينقشون فيها أفكارهم على جدران العقول اليافعة، استوعبنا ذلك مبكرا فرحلنا حتى لا ننفصل عن محيط الاسرة والدراسة، ولكن الكثيرين رسخت جذورهم وآمنوا بمعتقداتهم، وإن خالف بعضها، برأينا، شيئا من الشريعة.

«الحرية قبل تطبيق الشريعة» مقولة تورّط بها القرضاوي وراح يبررها، ولأنهم أجازوا الحرية فإننا نبارك لـ«الاخوان» عيد ميلاد حسن أحمد عبدالرحمن محمد البنا الساعاتي مؤسس الجماعة، الذي يصادف غدا 1909، والذي تخالف بعض مفاهيمه نهج الجماعة.

لقد رأت الحكومة بـ«الاخوان» حليفا واجهوا فيه المد القومي، وعلاقة مرت برواج وكساد، فدخلوا الوزارة 1967، بغض الطرف عن تزوير الانتخابات، وعن الحل غير الدستوري لمجلس 1973، فبذروا وتوسّع نفوذهم بالمؤسسات الحكومية وأسسوا حتى مصارف، ثم مروا بعثرات علاقتهم مع الحكومة؛ كالانضمام للمعارضة الشعبية بدواوين الاثنين قبل الغزو، وتأييدهم للمطالبة بالدوائر الخمس، وعزل رئيس الوزراء في 2011 ومعارضة حل مجلس 2012 ومقاطعة الانتخابات وتأييد «الربيع العربي» وتظاهرات كرامة وطن، فكان ذلك آخر مسمار في نعش تلك العلاقة، فردت الحكومة بقسوة، فأزاحت الأخوان من الهيئات واللجان الخيرية، وأهمها اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق احكام الشريعة، التي حظيت بميزانية ضخمة لأكثر من ربع قرن من غير تطبيق الشريعة.

إن تاريخ «الإخوان» لا يختصر بفقرتين، ولكن ما قاموا به ابان الغزو، وخاصة ما يمر ذكره اليوم قبل تسعة وعشرين عاماً «المؤتمر الشعبي الكويتي»، كان دورا مهمّاً في تقريب التيارات السياسية مع السلطة الشرعية، فمن يتمعّن في شريط الاحداث يجد بصمتهم في إدارة المؤتمر، وتواجد عبدالله علي المطوع في الصف الأمامي وذكر الالتزام بالشريعة الاسلامية في أهم خطاب للراحل العم عبدالعزيز الصقر، الذي رسّخ برسالته الثوابت واهداف المستقبل. ذلك الخطاب الذي يتضح لنا الآن أننا قد حدنا عنه، فما نعيشه من ديموقراطية شكلية ومحاصصة بغيضة وانقضاض على المال العام لا يمت بصلة إلى ما تحدث عنه الصقر في ذلك المؤتمر.

إن من يعتقد أن عزل «الاخوان» من بعض المناصب بعد 2012 وخسارتهم في الانتخابات كان نهاية نفوذهم فهو واهم، لأن منهجهم ثابت وبذورهم تنمو وجذورهم ممتدة داخل وزارات ومؤسسات الدولة والتعليمية منها؛ كالجامعة و«التطبيقي»، وحتى اتحادات الطلبة، وها هم تداركوا ونجحوا في نسج خيوط العلاقة مع الحكومة منذ 2016 وعادوا مجددا للوزارة.

إننا إن كنا نريد إصلاح النظام الديموقراطي فعلينا أن نبدأ من البذور، ونوعّي أجيالا تحمل سلاح العلم لتقود المجتمع تحت سيادة القانون وتكافؤ الفرص، بعيدا عن «براشوتات» النواب، حتى لا تتلاشى أحلامٌ؛ أطلقها عبدالعزيز حمد الصقر في المؤتمر الشعبي.

* * *

إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

بدر خالد البحر

bdralbhr@yahoo.com 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات