ما استراتيجيتنا لتوفير المياه في حال وقع خلل ما في مفاعل بوشهر القريب من هنا؟ بل ما الخطة البديلة للتزود بالمياه في حال توقف محطات التحلية عن العمل لأي سبب؟ وهل الشريط الساحلي يتحمل محطات تحلية جديدة مؤكد سنحتاج إليها مستقبلاً للوفاء بالزيادة السكانية ومشاريع التنمية بما فيها عمليات التصنيع؟ وهل هناك استراتيجية جادة ومدروسة وقابلة للتطبيق وذات أثر واضح لعام 2050؟

أسئلة مشروعة، التفكير فيها مقلق؛ فمنظومة الموارد المائية في الكويت ترتكز بشكل رئيسي على تحلية مياه البحر، التي توفر نحو 93 في المئة من إجمالي احتياجات معظم قطاعات الاستهلاك من المياه العذبة، أمّا القطاع الزراعي فيعتمد أساساً على المياه الجوفية القليلة الملوحة، وبشكل محدود- يتزايد مع الوقت- يعتمد القطاع على مياه الصرف الصحي المعالجة بمستوى عالي الجودة، خصوصاً للزراعات التجميلية. وتشير الأرقام المحلية وآراء الخبراء إلى أن المخزون الاستراتيجي من المياه لا يكفي سوى عشرة أيام فقط وفق معدل الاستهلاك الحالي البالغ 500 مليون غالون إمبراطوري في اليوم الواحد، وإذا سألنا الأرقام فستجيبنا بحقائق مرعبة، منها على سبيل المثال أن نسبة الملوحة في الخليج وصلت إلى 56 ألف جزء بالمليون، قارنوا هذا الرقم مع نسبتها في البحار والمحيطات (28 – 34 ألف بي بي إم). إذن نسبة ملوحة المياه في الخليج تصل إلى ضعف البحار والمحيطات، وهو معدل يدق لنا ناقوساً آخر من نواقيس الخطر؛ لأنه معدل مرتفع إلى درجة كبيرة وخطيرة، ندركه حينما نتذكر أنه عندما يصل معدل الملوحة إلى 80 ألف جزء بالمليون فستتوقف مباشرة مشاريع التحلية كما يذكر الخبراء، أضف إلى ذلك أن دول الخليج الست جاءت من بين أكثر عشر دول يُتوقع لها شحُاً في المياه بحلول عام 2040 بحسب تصنيف معهد الموارد العالمية.

سبق أن أعلنت وزارة الكهرباء والماء عن سيرها في اتجاهين متوازيين لمواجهة تلك التحديات؛ أحدهما إنشاء مزيد من محطات التحلية، والآخر إدارة الطلب عبر وضع إجراءات وآليات ترشيد الاستهلاك، فضلاً عن جهود أخرى تتعلق بمعالجة مياه الصرف الصحي وتبني تقنيات حديثة للتحلية منها «التناضح العكسي».. وهذه كلها جهود جيدة ومقدرة، ولكن علينا أن نوجه جانباً أوسع من الاهتمام بتكوين قاعدة صلبة من الموارد المائية وإشراك القطاع الخاص في استراتيجيات بناء تلك القاعدة، فمجال الموارد المائية لا يحتمل أن نتعامل معه بمنهج الفرص الضائعة الذي أشرنا إلى بعض وجوهه في المقال السابق.

أقول هذا وأتذكر أن شركة عالمية جاءت إلى الكويت واختارتها لتكون مركزها في مجال تملك وإدارة مصادر المياه، وتعتمد الشركة في نشاطها على الاستفادة من المياه المهدورة في العالم (خصوصاً مياه الأنهار المهدورة في البحار) ونقلها إلى دول في أشد الحاجة إليها لمواجهة شُح المياه فيها أو دعم خططها نحو تكوين مخزونات استراتيجية، وتمتلك الشركة ناقلات ضخمة لهذا الغرض معززة بمحطات لقياس جودة المياه وتحليلها وضمان نقاوتها، وتخطط الشركة لإنشاء أول محطة متنقلة لإنتاج المياه بقدرة 150 ألف طن، أي ما يعادل 33 مليون غالون يومياً مع سعة تخزينية بالقدرة نفسها، ويمكن لأي دولة الاستعانة بهذه الخدمة في حال توقف محطات التحلية عن العمل لأي سبب؛ فيمكن تشغيل هذه المحطة المتنقلة وضخ إنتاجها إلى الخزانات، وفي حال حدوث تلوث على الشواطئ تستطيع هذه المحطة الدخول إلى أعماق البحر والعمل على تحلية المياه وتخزينها ثم العودة لضخها في الخزانات أو المكامن، وقد تمكنت الشركة من إنقاذ قبرص من الجفاف حينما نقلت إليها المياه من اليونان، وتعتبر تكلفة النقل هذه أقل من مصاريف التحلية أو تعادلها حسب المسافة من دولة المصدر إلى الدولة المستوردة، وقد وقعت الشركة اتفاقيات مع العديد من الدول لشراء المياه منها، كما أن البنك الدولي يدعم جهودها في إنشاء أول بنك للمياه في العالم.

إهدار فرصة وضع الكويت مركزاً رئيسياً للشركة حرمها من أن تكون مركزاً لبنك دولي للمياه ومستثمراً رئيسياً في هذا المجال، كما حرمها من أن تستحوذ على نسبة كبيرة من المياه المنقولة عبر اتفاقيات وامتيازات خاصة، وكان على الكويت أن تغتنم هذه الفرصة بتكوين مخزون استراتيجي آمن، وفي موازاة ذلك ننهض بمشاريع تطوير المكامن والخزانات الخرسانية لنصل بسعتها إلى نحو 45 ألف مليون غالون.

هذا النهج سيضعنا في مأمن من التحديات التي سيأتي يوم ونتوجع منها، كما أنه سيوفر مبالغ باهظة تصرف على تشييد محطات تحلية جديدة، فيما سيكون توجيه النفط الخام المستخدم في تشغيل المحطات نحو التصدير أو الحفاظ عليه للأجيال القادمة أحد المردودات الأكثر أهمية، أضف إلى ذلك أن– بحسب ما نشر في الصحف– تكلفة نقل المتر المكعب من المياه من مدغشقر (مثلاً) إلى الكويت لن تتجاوز 6.5 دولارات ومن باكستان 3 دولارات ومن حوض البحر الأبيض المتوسط 9 دولارات، بينما تصل كلفة التحلية في الكويت للألف غالون أكثر من 11 ديناراً؛ أي أكثر من ثلاثين دولاراً أميركياً.

أيها المسؤولون عن المستقبل، قضية المياه في الكويت ليست ترفاً ولا هي مزحة، إنما مصير شعب وحياة أجيال، والوضع لا يحتمل مزيداً من الفرص الضائعة والمهدرة.

محمد ناصر السنعوسي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات