يزخر التراث الكويتي بالكثير من الأحداث التاريخية المرتبطة بالتنمية. فبالرجوع إلى سنة 1912 والمعروفة بسنة الطفحة، أي السنة التي أبحرت فيها أكثر من 800 سفينة غوص وقرابة 200 سفينة نقل يعمل عليها آلاف البحارة إلى مختلف المغاصات والبنادر الخليجية وموانئ آسيا وأفريقيا لجلب البضائع ونقلها للكويت وإلى الدول المجاورة. وقد حققت الكويت في سنة الطفحة فوائض مالية ضخمة فاقت إيرادات السنوات السابقة بملايين الروبيات وعمت عوائدها على الاقتصاد المحلي للبلد وعلى جميع أبناء الشعب الكويتي الذي قُدر تعداده آنذاك بحوالي 100 ألف نسمة، وعدد العاملين منهم في المهن البحرية والحرف المساندة أكثر من 63 ألف عامل. أما الحدث التاريخي الآخر فيتعلق ببناء السور الثالث في عام 1920، حيث جرى بناؤه على امتداد 7 كيلومترات، بارتفاع 7 أمتار وعرض 3 أمتار للجدار ويحتوي على 26 برجاً وخمس بوابات رئيسية. وقد ساهم في بناء السور كل شرائح المجتمع الكويتي في فترة الصيف الحار وخلال شهر رمضان المبارك، وجرى الانتهاء منه في أقل من شهرين.

هذه الإنجازات التاريخية والأرقام المذهلة تدل على كفاءة ومهارة العمالة الوطنية آنذاك ومدى مساهمتها الفعالة والمباشرة في تنوع اقتصاد البلد القائم على الصناعة واستيراد مختلف البضائع والمنتجات وإعادة تصديرها. كما تدل هذه الإنجازات على أهمية التنمية البشرية كإحدى ركائز التنمية المستدامة، لذلك من الضروري أن نعيد النظر في الخريطة التعليمية والتدريبية والبحثية والمهنية للبلد، وأن نركز اهتمامنا على الحرفيين والمبدعين والمبتكرين والمبادرين وأصحاب براءات الاختراع، وتشجيع القطاعات الصناعية الإنتاجية التي تلبي حاجة سوق العمل حتى تعود الكويت كما كانت عليه منذ القدم مركزاً مالياً وتجارياً وصناعياً وفكرياً في المنطقة لما حظيت به من موقع جغرافي فريد واستقرار سياسي وعقول تجارية ومهنية مبدعة. فخطط التنمية ورؤية 2035 عبارة عن خريطة طريق للمستقبل تعتمد على محاكاة لجزء أصيل من تراثنا الوطني الذي سطرته سواعد الآباء والأجداد عندما أسسوا المدرسة المباركية في عام 1911، وقادوا الطفحة في 1912، وبنوا السور في 1920، وأتقنوا صنع الأبوام والسفن، وكانوا أشهر من قادها عبر أمواج البحار والمحيطات. فهل سيتمكن أبناء وأحفاد السندباد من تكرار طفحة التنمية في وقتنا الحاضر من خلال التغلب على تحديات البيروقراطية والبطالة المقنعة وهدر الأموال والطاقات والفساد المالي والإداري وأن ينهوا العبث بالتركيبة السكانية ومخرجات التعليم ومخالفة القوانين، وأن يسوروا مواردها الطبيعية والمالية والبشرية والفكرية بسور الأمن والعلم والإخلاص والولاء والوحدة الوطنية؟


د. عبدالعزيز إبراهيم التركي

alterkey@gmail.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات