جاء في كتاب يوسف مكرم «تاريخ الفلسفة الحديثة»: «من بين المذاهب القديمة كان الشك معروفاً من كتب شيشرون وسكستوسن أمبير يقوس. وقد وجد له أنصاراً طوال القرن السادس عشر، اصطنعه بعضهم للإلحاد والاستهتار»!

تأمل قوله: «اصطنعه بعضهم للإلحاد والاستهتار».. تعرف أن تغطية الاستهتار بالقيم والأخلاق بغطاء فلسفي أو علمي لا يخرجه عن حقيقته كاستهتار.. لأن واضعيه لم يضعوه كنتاج لبحث علمي عميق؛ لأن البحوث العلمية الحقيقة لا يمكن أن تدلل على شيء سوى الفضيلة..

وإنما وضعوه ليتفادوا سياط المجتمعات التي ما زالت تحتقر الاستهتار وأهله.. وهذا ما أكّده دور كايم بقوله: «إذا تمرد - الفرد - على قيم المجتمع، فإنه يتعرّض للسخط والعقوبة.. وللعقوبة مظهران احدهما مادي وهو القوانين الوضعية، والثاني أدبي يتمثل في سلطة الرأي العام» - من كتاب «الفلسفة الخلقية» د. توفيق الطويل.

فسلطة الرأي العام يفوق ألمها المعنوي أحيانا كثيرة آلام السلطة المادية.. فإن العذاب المادي ينتهي كثيرا مع انقضاء مدته.. أما العذاب المعنوي الذي يستشعره المستهتر في مجتمع يحتقر الاستهتار وأهله لا يُطاق.. لأن لعنات المجتمع التي تطارده واكتواءه بنظرات الازدراء والاحتقار تُجرّعه آلاماً لا يستطيع الهروب منها إلا بنشره الاستهتار في المجتمع ليصبح فردا طبيعيا بين أفراد المجتمع المستهتر.. وهذا ما أكدّه الله ‎تعالى بقوله: «ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء» (لنساء: 89).

فالمستهتر يزداد ارتياحا، وتعظم قوته على الاستمرار في استهتاره كلما كثُرَ أشباهه في المجتمع.. ولذلك تجده دائما يحاول النَيل من الدين والمحافظة على القيم، ويقلل من قيمة أي مظهر من مظاهر التديّن والمحافظة على القيم في المجتمع.. ويحاول زرع فكرة أن مظاهر التدين في المجتمع دليل على نفاق المجتمع، ويجعل الحل لهذه «المشكلة حسب زعمه الباطل» أن نخلق مجتمعا يعج بالاستهتار، لأن هذا المجتمع «حسب زعمه الباطل» هو المجتمع الذي يستطيع الإنسان العيش فيه على سجيّته!

وإذا أفلس هذا وأمثاله من نشر الاستهتار في المجتمع، ينتقلون إلى نشر فكرة احترام الآراء والعقائد مهما كانت - حتى الإلحاد - واحترام آثارها على سلوك معتنقيها.. وبعد أن يقرروا هذا يحاولون تقديم استهتارهم كنتيجة طبيعية لعقيدة الإلحاد التي آمنوا بها.. ويريدون منك أن تضعهم في سلّة واحدة مع بقية الآراء التي طالبوك باحترامها على اختلافها الشديد.. واحترام آثارها على سلوك معتنقيها!

والناظر في حالهم يجدهم وقعوا في تناقضات كثيرة، أبرزها أنهم وقعوا في النفاق الذي كانوا يتهمون فيه - زورا ولمآرب معروفة - المجتمع المحافظ.. فالنفاق بمعناه العام هو اظهار الإنسان محاسن لا يقر بها في باطنه، والنفاق ليس مقصورا على الدين.. فمن يظهر للناس محاسن - لتحصيل منافع آنية سواء مادية أو معنوية ككسب ثناء - لا يؤمن بها في باطنه هو منافق، ولا ينجيه من النفاق عدم انتسابه الى دين معين!

وهؤلاء الذين يحاولون ايهام الناس بأن إلحادهم وانحلالهم جاءا نتيجة لقراءات وبحوث علمية يكذبون وينافقون بهذه الدعوى.. لأنهم يتزيّنون للناس ويظهرون لهم بأنهم أصحاب قراءات وبحوث علمية، وهذا يخالف حقيقتهم.. فمن ينظر في حالهم لا يجد سوى البذاءة وانعدام الحياء والدعوة إلى الاستهتار بالقيم!

عبدالكريم دوخي المجهول

a_do5y@


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات