واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا

واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا

إشراف موسى الأسود للتواصل: q8aswad@hotmail.com

الوحدة الوطنية، علاوة على أنها فريضة شرعية، هي ضرورة بشرية، وهي صمام الأمان لأي مجتمع، وهي ركيزة من ركائز استقراره، ودلالة على عمق الأخوة والمحبة والإيمان والتعاون. والأخوة هي الرباط المقدس، وهي العنوان المعبّر عن حقيقة الايمان: «انما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون». فالدعوة إلى رصّ الصفوف ووحدة الكلمة درءًا للفتنة، واجب كل عاقل، اننا نستلهم مفاهيم الوحدة الوطنية من قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ»، وقوله تعالى: «لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ». فالوحدة الوطنية فريضة شرعية لقول الله سبحانه: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا»، وقوله: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون»، وقوله: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائناً من كان. وقال: يد الله على الجماعة والشيطان على من فارق الجماعة يركض.

التفرق والانقسام

وقد حذّر القرآن الكريم من التفرق والتشرذم والانقسام، والأحاديث النبوية الشريفة أكدت هذه المعاني من الدعوة إلى الاتحاد والائتلاف، والتحذير من التفرق والاختلاف. فقد دعت الى الجماعة والوحدة، وإلى الأخوة والمحبة، ونفرت من الشذوذ والفرقة، وزجرت عن العداوة والبغضاء.

قال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء ان فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». وحذرت السنة النبوية أبلغ التحذير وأشده من التباغض والتهاجر والتشاحن وفساد ذات البين. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله اخوانا، ولا يحل لمسلم ان يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام». وقال: «اياكم والظن فان الظن اكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا». وقال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ههنا»، ويشير الى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر ان يحقر اخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه». وقال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟»، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «صلاح ذات البين، فان فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشع، ولكن تحلق الدين». وقال: «دب اليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا». وقال: ان الشيطان قد يئس ان يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم. ولا يستفيد من حالة التنازع بين المسلمين الا اعداء هذا الدين.

الاختلاف في الأديان

لو أراد الله توحيد الأديان لوحدها ولو شاء ان يجعل الناس أمة واحدة لجعلهم. وقد وضح القرآن الكريم ما قضته الإرادة الإلهية منذ الأزل من اختلاف الناس في عقائدهم، وذلك لحكمة يعلمها الحكيم الخبير، قال الله سبحانه وتعالي: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (سورة هود 118)، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم». ولا يكره الإسلام أحدا على الدخول فيه، فهو لم ينتشر بسيف ولا عنف ولا اكراه، قال الله تعالي: «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ» (سورة البقرة651). وجعل الإسلام التعايش الاجتماعي بين المسلمين وغير المسلمين قائماً على المعاملة الحسنة، فعند الحوار أو الجدال لابد أن يكون الجدال بالتي هي أحسن حتي تظل جسور التواصل والتعاون قائمة فقال الله تعالي: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسملون» (العنكبوت/46).

ليس كلُّ ما أخبر به رسول الله يكون مذموماً

الأحاديث النبوية التي أخبر فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن زخرفة المساجد وتزيينها من أشراط الساعة لا تدل على كراهية الزخرفة أو تحريمها، وإنما هي محمولة على الاهتمام بالشكل على حساب المضمون، وتعمير الظاهر مع تدمير الباطن؛ كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ يَتَبَاهَوْنَ بِالْمَسَاجِدِ وَلاَ يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا» وكما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يَا ابْنَ مَسْعُودٍ! إِنَّ مِنْ أَعْلَامِ السَّاعَةِ وَأَشْرَاطِهَا أَنْ تُزَخْرَفَ الْمَحَارِيبُ وَأَنْ تُخْرَبَ الْقُلُوبُ» وقد نص العلماء على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أخبر بشيء أنه من أشراط الساعة فلا يلزم من ذلك ذمُّه، ولا يدل بمجرده على التحريم: قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: «ليس كلُّ ما أخبر صلى الله عليه وآله وسلم بكونه من علامات الساعة يكون محرمًا أو مذمومًا؛ فإن تطاولَ الرعاء في البنيان وفُشُوَّ المال وكونَ خمسين امرأة لهنَّ قَيِّمٌ واحد: ليس بحرام بلا شك، وإنما هذه علاماتٌ، والعلامة لا يُشتَرَطُ فيها شيءٌ من ذلك، بل تكون بالخير والشر، والمباح والمحرم، والواجب وغيره، والله أعلم». وقال الإمام المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير: «وما كل علامة على قرب الساعة تكون مذمومة، بل ذكر لها أمورًا ذمَّها كارتفاع الأمانة، وأموراً حمدها كزخرفة المساجد، وأمورًا لا تُحْمَدُ ولا تُذَمُّ كنزول عيسى؛ فليس أشراط الساعة من الأمور المذمومة».

حكم وأقوال

ــ من أعظم الحسرات يوم القيامة أن ترى طاعتك في ميزان غيرك ومعصية غيرك في ميزانك. اللهم احفظ ألسنتنا من الغيبة.

ـ قال سفيان الثوري يوما لأصحابه: أخبروني لو كان معكم من يرفع الحديث إلى السلطان أكنتم تتكلمون بشيء؟ قالوا: لا، قال: فإن معكم من يرفع الحديث إلى الله..!

ــ قال لقمان لابنه: احذر واحدة هي أهل للحذر، قال: وما هي؟ قال: إياك أن تري الناس أنك تخشى الله وقلبك فاجر.

ــ قال الفضيل بن عياض: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم مكبل، كبلتك خطيئتك.

ــ ثق بأن أحدهم في هذا العالم؛ يدعو لك دوما بظهر الغيب، وقد لا تعرفه ولا يعرفك، فقط لأنك أسديت له معروفا، وما عند الله أعظم!

ــ لا تفضح مسلماً وقع في معصية فإن باب التوبة مفتوح، لا تدري لعل الله يتوب عليه فيبقى عليك اثم فضيحته.

ـــ اللهم استرني بسترك الجميل واجعل تحت الستر ما ترضى به عني

التعصُّب القبلي مذموم بكل أشكاله وصوره

أكدت لجنة الفتوى بوزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية ان الاسلام حذر من العصبية بكل أشكالها وصورها، وقالت ان العصبية بمعنى الدعوة إلى نصرة العشيرة أو القبيلة على الظلم حرام، جاء ذلك في رد اللجنة سؤال حول مفهوم العصبية، وجاء في الإجابة: العصبية بمعنى الدعوة إلى نصرة العشيرة أو القبيلة على الظلم حرام، فقد نهى القرآن الكريم عن التعاون على الإثم والعدوان، وأمر بالتعاون على البر والتقوى، فقال عز من قائل: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2)، وتظاهرت الأحاديث على النهي عن العصبية بكل أشكالها وصورها: العصبية للقبيلة أو للجنس أو للأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية» أخرجه أبو داود. وقال عليه الصلاة والسلام في العصبية للقبيلة: «دعوها فإنها منتنة» رواه البخاري ومسلم. وكانت العصبية للقبيلة ونصرتها ـ ظالمة كانت أو مظلومة ـ سائدة في الجزيرة العربية قبل الإسلام، فأبطلها الإسلام، وحرم العصبية، والتناصر على الظلم. وقد جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال رجل أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ فقال: تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره» متفق عليه. وجعل المناصرة بين المؤمنين على الحق، قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر) (التوبة:71). وعدّ النبي صلى الله عليه وسلم ميتة المتعصب ميتة جاهلية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّة يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فَقِتْلَةٌ جاهلية» أخرجه مسلم.

التفاخر بالآباء

وقالت اللجنة: ان الإسلام أبطل التفاخر بالآباء ومآثر الأجداد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب» أخرجه الترمذي. وجعل الإسلام أساس التفاضل التقوى والعمل الصالح، وفي التنزيل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13). بيّن الله في الآية الغاية من جعل الناس شعوباً وقبائل، وهي التعارف والتعاون، لا التناحر والخصام، فالعصبية بأشكالها للقبيلة أو للجنس أو للون تتنافى مع الإسلام. والله أعلم.



تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات