شمولية الثورة الحسينية

إعداد: عمار كاظم -

من أهمّ سمات النهضة الحسينية وعوامل انتصارها هو أنّها لم تكن محدودة الأهداف أو مقتصرة على فئة معيّنة؛ فقد جاءت لتعلن انتصارها للإنسانية المسلوبة وإرجاع الحقوق الضائعة جرّاء التمييز والطبقية؛ فجيش الإمام الحسين (علیه السلام) رغم قلّته فقد تجسّدت فيه الإنسانية والعالمية. وتمثّلت عالمية الثورة الحسينية من خلال تأثّر الكثير بهذه الثورة، بل من غير المسلمين من أهل الديانات الأُخرى في العالم، والشاهد على ذلك المقالات والأقوال الكثيرة. كما أنّ عالميتها واضحة من جانب آخر، ألا وهو عالمية الرسالة الإسلامية التي جاء بها النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالتالي عالمية رسالة الأئمّة (عليهم السلام)، ومنهم الإمام الحسين (علیه السلام)؛ لذا فإنّ مَن يريد اختزال القضية الحسينية وحصرها بشعب معيَّن، أو طائفة معيَّنة، فهو مخطئ، يحتاج إلى إعادة النظر في كلّ منظومته المعرفية.

فالقضية الحسينية انطلقت وفق أهداف إنسانية بحتة، هدفها تحرير الإنسانية جمعاء بما تحمله من أهداف وقيم وتضحيات ونماذج مشرِّفة، فهي قضية عامّة لكلّ بني الإنسان لا تختصّ بفئة معيّنة من الناس، ولا بمكان معيّن من الأرض، وهذا الأمر يتّضح عبر شعارات النهضة، وأقوال قائدها: «ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة من أن نُؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وإنّي زاحف بهذه الأُسرة على قلّة العدد، وخذلان الناصر». وقوله (علیه السلام): «فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برماً». وكذلك قوله (علیه السلام): «والله، لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أُقرُّ لكم إقرار العبيد». وكلّها مبادئ وشعارات يتمسّك بها جميع الأحرار والثوار أُسوة بالإمام الحسين (علیه السلام).

لا يخفى أنّ واقعة عاشوراء وما جرى فيها من أحداث مأساوية هزّت الضمير الإنساني، إلى جانب القيم المعنوية الراقية والمفاهيم الإسلامية التي جسّدت فيها. مثّلت عاشوراء مدرسة من العطاء الفكري والمعنوي والقيمي لا حدود له، كما أنّ السمو المعنوي لعاشوراء الحسين (عليه السلام)، وتنوّع عناصرها المعرفية ما زال يدهش كلّ مَن يسمعه ويأخذ بمجامع قلبه ولا يملك معه السامع إلّا أن يكون بكلّه آذاناً صاغية، فهيّأت هذه الثنائية وفرة العطاء الفكري والمعنوي لعاشوراء واندفاع السامع وإصغاءه لكلّ ما يرتبط بها لظهور أنجح عملية دعوية وأفضل ممارسة تبليغية في تاريخ البشرية تفتقر إليها الثقافات والأديان الأُخرى، واعترف بنجاحها كثير من العلماء والمفكرين من غير المسلمين، واستطاعت على مرّ التاريخ أن تحفظ لنا خط أهل البيت (عليهم السلام) الذي هو جوهر الإسلام وروحه من التحريف رغم ما تعرّض له من محن وشدائد. إنّ الانتصار الذي حققه الامام الحسين (عليه السلام) في كربلاء ليس انتصاراً عسكرياً، فالغلبة كانت للجهاز الحاكم، حيث استُشهد الإمام وأهل بيته وأصحابه، كما هو واضح، ولكن الجميع يتفق على انتصار الحسين (عليه السلام)، من المسلمين وغير المسلمين، حتى سُمّيَ هذا اليوم بأسماء متعدّدة، قبيل: «يوم انتصار الدم على السيف» و»يوم انتصار المظلوم على الظالم» و»يوم انتصار مشروع الأُمة على مشروع السلطة» إلى غيرها من التسميات والتعابير التي تؤكد هذه الحقيقة.

فضائل الصبر وعواقبه

الصبر هو الفضيلة التي كلّف الله بها أُولي العزم من الرُّسل. وللصبر صُوَر شتّى، وشعب متعدّدة. منها: الصبر في مواطن الحقّ، والثبات في وجوه خصومه حتى ينتصر، والجهاد من أجل استقرار المبادئ الكريمة، والعقائد الصحيحة، واحتمال الصعاب من أجل مطاردة الرذائل ومحاربة البدع والمنكرات حتى تختفي وتزول: «يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ» (لقمان: 17). ومنها: احتمال أذى الغير ومقابلته بالعفو والمسامحة: «وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» (النحل: 126). «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ» (آل عمران: 186). والصبر عن معاصي الله بهجرها ومجاهدة النفس في تركها، ممّا يسمر بها ويقرّ بها إلى خالقها؛ ولهذا جاء الإسلام يمنعها من الاسترسال في الهوى والشهوة فيضع لكلّ حاسة أدباً، ويجعل الإنسان مسؤولاً عن كلّ تصرف يصدر عنه. «وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً» (الإسراء: 36). والإنسان لا يستغني عن الصبر في أداء العبادة والمواظبة على الطاعة، فقد ينتابه الفتور في العبادات البدنية، والبخل في العبادات المالية. فهو في حاجة إلى الصبر لينشط في الصلاة والحجّ والجهاد والسخاء بالإنفاق على المعوزين، ومواساة المحتاجين. ومن أعلى مقامات الصبر: الصبر عند نزول النوائب، كموت أو ضياع مال، وضعف صحّة، وفساد عضو من أعضاء البدن. وهذا يقتضي حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن فعل ما يذم ويقبح. وألا يغير عادة من عاداته في هيئته، ولا في أكله، ولا في ملبسه ولا في مظهر بيته، بل يبقى على عاداته إظهاراً لرضاه بقضاء الله. فالصبر رفيق لنا في رحلة الكفاح، الرفيق الذي لا يملّ لطول الطريق، والرفيق الذي لا ييأس من العثرات، الرفيق الذي لا يخشى المحاولة. الرفيق العنيد؛ الذي يأبى الاستسلام.


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات