«التأمينات».. ذبيحة انتخابية!

يبدو أن «التأمينات الاجتماعية» تُقدَّم ضحيّةً على مذبح المساومات النيابية - الحكومية المشبوهة، عشية موسم انتخابي تلتهب فيه المزايدات الشعبوية الباهظة الكلفة، والمفاقمة للعجز الاكتواري البالغ حتى الآن ١٩ مليار دينار.

فبعد إقرار «التقاعد المبكر» و«القرض الحسن»، ومقترح خفض نسبة الاستقطاع من الراتب لسداد القروض التي تمنحها «التأمينات» للمتقاعدين، جاء الدور الآن على كامل نظام الإقراض من المؤسسة لاستبدال آخر به غاية في السخاء وقمة في التساهل على حساب المال العام، إذ يسوِّق نواب لمقترح إسقاط فوائد قروض المتقاعدين بكلفة تبلغ ٢٤٠ مليون دينار، وزيادة مبالغ القروض الحسنة وتمديد آجال سدادها، وخفض الاستقطاع من راتب المتقاعد المقترض إلى الحدود الدنيا.

اللافت أن بعض النواب يروجون للمقترحات بزهو المحقق إنجازات، في ظل صمت حكومي مطبق لا بل مريب.

والسؤال المحير هو: لماذا لا تنبري الحكومة، أو من يمثلها في هذا الملف الحساس، وتعلن موقفها بصراحة على الملأ ومن دون مواربة؟! كيف لا ترد بوضوح وجلاء على تلميحات من هنا وتسريبات من هناك؛ يؤكد مطلقوها والمتهامسون بها أن الحكومة شبه موافقة ولم يبق إلا الإقرار وعلى الدنيا السلام؟!

ليس مسموحاً التواطؤ بعدما ظهر الرأي الفني لمؤسسة التأمينات وبات معروفاً بالرفض المطلق والقاطع لهذا المقترح، مع تحذير من آثاره السلبية والوخيمة.

لكن تجربة رفض التقاعد المبكر سابقاً أفضت في نهاية الأمر إلى رضوخ انبطاحي للحكومة أمام مطالب النواب الممارسين للعبة الابتزاز السياسي بأبشع صورها. والخوف ثم الخوف من تكرار السيناريو نفسه مرة أخرى، علماً بأن الكلفة هائلة، والآثار المترتبة عليها بالغة في خطورتها هذه المرة.

وإذا كان لا بد من تذكير النواب والحكومة ببعض الحقائق البديهية، نقول لهم جميعاً: إنهم يحاولون بفعلتهم الشنيعة هذه ضرب عرض الحائط بكل معايير الحصافة المالية، لأن العجز الاكتواري سيرتفع بشكل جنوني متسارع، وستقع كرة ناره الملتهبة في حضن الحكومة، التي عليها السداد في نهاية المطاف، لأن إيرادات المؤسسة ستقل كثيراً عن مصروفاتها، لذا سيأتي يوم، ليس ببعيد، {ينشف} فيه الاحتياطي العام عن بكرة أبيه، ثم يتضخم الدين العام رويداً رويداً حتى يصل إلى مستويات لبنانية أو يونانية، ولا داعي لذكر المآلات المعروفة بمرارتها في الحالتين المذكورتين للأسف الشديد.

وإذا تمكن المستهترون بمصير «التأمينات» من الانقضاض عليها كما يخططون، فسنسمع - حتماً - مؤسسات أخرى تهمس أو تصرخ «أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثُّورُ الأبيضُ». إذ قد يكمل المبذرون جولتهم ليدخلوا الهيئة العامة للاستثمار والصندوق الكويتي للتنمية، على سبيل المثال لا الحصر، لإجبارهما على تقديم قروض حسنة بلا سؤال، وهكذا يقضي هؤلاء المتكارمون من كيس غيرهم على المؤسسات المالية للدولة الواحدة تلو الأخرى، ناسين أو متناسين أنها مؤسسات يملكها عموم المواطنين جيلاً بعد جيل لتبقى لهم عوناً بعد نضوب النفط.

ونضيف: هل يعلم المستهترون أن فتح الاقتراض المجاني على مصراعيه سيؤدي إلى فقاعة تثقل كاهل المتقاعدين أنفسهم، وهم يرزحون أساساً تحت نير التزامات وقروض أخرى؟! فإذا كانت نية المستهترين المساعدة اليوم، فسيرون غداً كيف أن مساعدتهم مسمومة ضارة، وسترتد وبالاً على المتقاعدين لا مخرج منه إلا بتكرار أسطوانة إسقاط القروض المشروخة.

وسموم تلك المقترحات الشعبوية لا تقف عند هذا الحد، بل تتعداه إلى تخريب منهجي لقيم المجتمع عبر تعويد المواطنين على سلوكيات استهلاكية تبذيرية تذهب فيها الأموال لشراء ما يلزم وما لا يلزم، ما قد يخلق تضخماً في الأسعار على نحو غير مسبوق، لا سيما إذا أقبل مئات الآلاف على الاستفادة من فرصة المال المجاني المفتوحة أبوابه إلى كل من هب ودب.

أهذا هو دور المشرِّع الحصيف؟ وهل دوره يقتصر على دغدغة الناخبين من أجل حفنة من الأصوات على حساب مال عام هو ملك المواطنين جميعاً؟!

وإذا كان النواب غير مبالين بالمصلحة العامة، وهاجسهم الوحيد صوت الناخب، فأين موقف الحكومة الواضح والعلمي المعتمد على المعلومات والبيانات الاقتصادية والمالية الدقيقة؟!

كيف لنا السكوت عن تحويل «التأمينات» إلى صندوق توزيع أموال بالمجان، ونحن نعلم جميعاً أن هذا غير منصوص عليه بين أدوارها، ليس عندنا فحسب، بل في العالم أجمع؟!

لن نسكت، وندعو الجميع إلى وقفة ضمير قبل فوات الأوان. وعلى الحكومة أن تدرك اليوم أنها تحت المجهر أكثر من أي وقت مضى. إننا بانتظار موقف معلن وصريح من هذا العبث الاقتصادي اللامسؤول.. فهل سترضخ هذه الحكومة إلى التسويات السياسية والانتخابية في دور الانعقاد الأخير، أم أن وزراءها سينتفضون كرجال دولة أمام لعبة السياسة والضغط الشعبوي، حتى لو كلفهم ذلك ثمن كراسيهم؟!

القبس


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات