تحدثت في المقالة السابقة عن التحديات التي تواجه العالم في الحفاظ على موارد المياه، باعتبارها سلعة استراتيجية وعماد الحضارة والحياة، فماذا عن وضع المياه في الكويت؟

أتذكر أننا في ثمانينيات القرن الماضي، ومن خلال معهد الكويت للأبحاث العلمية، كنا قد قطعنا شوطاً كبيراً ومهماً في تأسيس قاعدة معرفية مهمة لتبني مشاريع الطاقة المتجددة في البلاد، وجرى تنفيذ عدد من المشاريع التطبيقية والنموذجية لهذا المجال وتكوين مختبرات كهروضوئية وتطوير مشاريع خلايا شمسية، وقتها وجدنا الشيخ جابر الأحمد رحمه الله متحمساً ومشجعاً لهذا التوجه، ودعمته مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، بل إن الدكتور عدنان شهاب الدين الذي كان وقتها مديراً عاماً للمعهد وضع مع الخبراء خطة لإنجاز مشاريع بحثية تهتم باستخدام المقطرات الشمسية السطحية لإنتاج المياه العذبة وغيرها من المشاريع لاستخدام الطاقة الشمسية المتوافرة - بقسوة - في الكويت لتوفير احتياجاتنا من المياه العذبة والمحلاة، ولكن فجأة توقف كل شيء، والسبب خروج أصوات من أصحاب الرؤى الضيقة والسذاجة الفكرية مدعين أن ما يجري استثماره في هذا المجال إنما هو هدر للموارد، بحجة أن الكويت بلد نفطية يمكنها أن تشيد المزيد من محطات توليد الكهرباء التي تتغذى على النفط، وبالتالي جرى تعليق أبحاث الطاقة البديلة والمتجددة وتجمدت لمدة تصل إلى ربع قرن تقريباً قبل أن تعاود الكويت ومعهدها للأبحاث العلمية البدء مجدداً في هذه الجهود، وبعدما وجه سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الدوائر الوطنية بضرورة إنتاج %15 من الطاقة الكهربائية من مصادر متجددة بحلول عام 2030، فكانت العديد من المشروعات التي يأتي على رأسها مجمع الشقايا للطاقة المتجددة وغيره من مشاريع في طور التطوير، يأتي على رأسها مشروع «بر قضي»، وأبحاث تحلية المياه بالطاقة الشمسية بالتعاون مع الجانب الفرنسي.. كل ذلك بعد أن أهدرنا سنوات طويلة وتخلفنا عن تطورات عصرية وأبحاث اتصلت لعقود كان ينبغي ملاحقتها والانسجام معها.

أتذكر أنه في عام 2002 اختارت شركة صناعة الكيماويات البترولية التابعة لمؤسسة البترول الكويتية شركة داو كيميكال شريكاً استراتيجياً لمشاريعها الاستثمارية إثر استحواذ «داو» على شركة يونيون كاربايد الشريك الأصلي لمشروع إيكويت، توسعت بعدها المشاركات في مشاريع الأوليفينات والستايرين، وحققت هذه المشاريع نجاحات وأرباحاً كبيرة ولا تزال، ثم جاءت عملية الاستحواذ الكبيرة على شركة رووم آند هاس بقيمة 18 مليار دولار، وبدأت مرحلة مهمة من الشراكة بين الكويت والداو، وفجأة توقفت الشراكة، بل وتدخل في دهاليز المشكلات والمحاكم والتعويضات، وسبب كل ذلك حالة التناحر السياسي في البلاد وافتقاد الثقة بين الأطراف والمؤسسات المعنية وغياب الشفافية وضعف الحكومة وعدم قدرة المؤسسات الاقتصادية والصناعية على الدفاع عن مشاريعها الاستراتيجية لتضيع على الكويت فرصة استثمارية كانت ستوفر مداخيل اقتصادية جيدة وتجعلنا في مصاف الدول الصناعية في صناعة النفط ومشتقاته، وهو الأمر الأهم.

أتذكر، وفي حسرة!، مشروع قانون تطوير الحقول الشمالية، بعد ما شاخت وأصبحت بحاجة الى تكنولوجيا متقدمة لتطويرها، وحتى لا يكون اعتماد الكويت على حقل برقان بالدرجة الأولى، ومن منطق ربط المصالح الاقتصادية مع الدول العظمى من خلال الشركات الكبرى المختصة. وهذا ما ينص عليه الدستور. فانبرى له الجهلة مدعين أنهم هم فقط الوطنيون الذين لديهم الفهم والدراية بما يحتاجه الوطن والقطاع النفطي وضاعت الجهود وفقدت الفرص. مع تراجع الحكومة أمام الغوغائية والصوت العالي ونبرات التخوين.

أتذكر، ويؤلمني.. عندما كان هناك من قاوم بصوت عالٍ وصراخ ممجوج عند مناقشة الخصخصة، واتهموا اللجنة المالية بأنها تريد أن تبيع البلد إلى القطاع الخاص، وأن اللجنة ستحيل أبناء الكويت إلى صبيان عند التجار.

أتذكر عندما خسرت الكويت فرصاً تنموية مهمة من المشروعات الاستراتيجية الكبرى، مثل المصفاة الرابعة، بسبب الجدل السياسي العقيم.

أتذكر، وبكل أسف، نواب كتلة العمل الشعبي كيف افتعلوا ضجة وإثارة سياسية وهددوا الحكومة بالاستجواب اذا قررت المضي قدماً في المشاريع، بزعم أن هذه عملية سرقة من قبل أشخاص يسعون للاستفادة الشخصية، وأمام هذا الاسلوب تراجعت الحكومة عن مشاريعها الوطنية المهمة، التي يفترض أنها تكون دافعاً لمزيد من الإنتاج والتقدم، وليس للتراجع وتثبيط الهمم.

أتذكر مشروع الانفاق ومشروع تطوير الخطوط الجوية الكويتية، هذا مثال على الآثار السلبية لتراجع الحكومة أمام الصوت العالي ونبرات التخوين، مما يفقد الدولة فرصاً تلو الأخرى في النهوض.

هذا، وهناك غيرها من مشاريع أهدرت في الكويت وشكلت بعض معالم سنوات الفرص الضائعة.. ولكن ما علاقة كل هذا بقضية المياه؟! هذا سيكون موضوع مقالنا القادم.

محمد ناصر السنعوسي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات