في العمل السياسي، خصوصاً في الدول الديموقراطية، لا وقت للتجربة والخطأ، خصوصاً للدول التي تقود العالم كما تدعي، والتي تملك زمام الأمور، ولديها فائض قوة.. لذا فإن العالم يراقب تصرفات زعماء هذه الدول، وكيف سيكتب التاريخ عنهم بعد انتهاء مدتهم.

بناء على ذلك، فإن ما يقوم به الرئيس الأميركي دونالد ترامب أضحى مجالاً لدراسات أكاديمية عديدة، خصوصاً في ما يطلق عليه مجازاً أنها «اجتهادات شخصية»؛ لأن القرار الأميركي يصدر من مؤسسات حاكمة تشارك الرئيس في دراسة القضايا، إلا أن الدستور الأميركي، كما هو معروف، أعطى صلاحيات مهولة للرئيس؛ فهو الوحيد الذي من حقه اختيار المسار المطلوب من ضمن عدة مسارات تعطى له وتوضع على طاولته، وعلى المؤسسات التنفيذية الانصياع له.

ويرى المراقبون أن الرئيس ترامب قد بالغ كثيراً في استخدام سلاح «المقاطعة الاقتصادية» في مواجهة الدول التي تختلف معه في بعض القضايا العالمية.

فقاطع روسيا والصين الدولتين صاحبتي النفوذ العالمي، كما قاطع كوريا الشمالية وإيران صاحبتي النفوذ الإقليمي.. كما قاطع سوريا وكوبا، وواصل مقاطعة السودان وليبيا والعراق واليمن والصومال، ناهيك عن تهديده المتواصل لجارتيه كندا والمكسيك.

وفي الاتجاه نفسه، هدد بمقاطعة فرنسا وبعض الدول الأوروبية بأنه سيمنع بعض وارداتها من دخول الولايات المتحدة.

هذا المنع، وإن استخدمته العديد من الدول كرادع لدول أخرى، فإنه سلاح ذو حدين، فقد يتضرر منه تجار الدولة المقاطعة أيضاً حين تمنع بضائعهم من التصدير لهذه الدول المقاطعة.

ولعل من الطريف أن نذكر تاريخياً أن أول من استخدم هذا النوع من الحصار الاقتصادي هم كفار قريش، الذين حاصروا النبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم في شعب أبي طالب، وقاطعوهم لمدة ثلاث سنوات منذ السنة السابعة للبعثة النبوية الشريفة، وانتهى الأمر بانتصار بني هاشم وفشل الحصار، الذي ارتد سلباً على مشركي قريش، وساهم في نشر الرسالة الإسلامية.

لذا، فإن هذا النوع من العمل الاستفزازي لم تعد له أهمية مع ظهور «العولمة»، التي ألغت الحدود السياسية في التعامل الاقتصادي العالمي، ولعل هذا ما دفع الرئيس ترامب إلى الخروج عن كل اتفاقيات العولمة التي وقعتها الولايات المتحدة مع العالم، والتي قد تجعل بلاده معزولة في اتخاذ القرارات المتعلّقة بهذا الشأن. وإن العديد من المراقبين يرون أن أميركا سترجع آجلاً أم عاجلاً إلى السياق الدولي المعتاد الذي خسرته في رهانات الرئيس الحالي.

ولعل ما يواجهه الرئيس ترامب هذه الأيام من نقمة داخلية هو بسبب هذه التصرفات، التي عادت بالضرر على صورة أميركا بين أمم العالم، وخشية القيادات السياسية المعارضة لترامب من توغل الرئيس في قرارات جدلية كثيرة استطاع تمريرها بأصوات قليلة.

عبدالمحسن يوسف جمال

ajamal2@hotmail.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات