انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض تجاه أي انتقاد يوجه إلى الكوكبة. والكوكبة هنا لا تعني «الحكومة» وحسب، فلكم ولكم شهدنا قدرة السلطة التشريعية على الخوض في تفاصيل أداء السلطة التنفيذية بشكل مباشر. فالكوكبة هنا تأتي بمعنى السلطتين، التنفيذية والتشريعية، وحكومة الظل عديمة الصفة ذات النفوذ الشبكي. آراء وأصوات خاضعة تردد بانصياع تام «الله لا يغير علينا»، ترفع من شأن أبسط إنجازات تلك الكوكبة، وتغض الطرف عن مساوئها، وهي إن استطاعت، فإنها تأتي بحجة لها وتختلق الأعذار دفاعا عن نفسها. ومن الضفة المقابلة، تصدح آراء أخرى مخالفة لما سبق، يتلازم نقدها تباعا مع أي تقصير يصدر من تلك الكوكبة، وكأنها في الوقت ذاته تتعمد غض الطرف عن أي محاسن من أفعالها –إن وجدت– وتتسابق في التشكيك والتقصي باحثة عن أي علة تظهر الجانب السلبي لأي إنجاز صفق له الشارع والرأي العام تقديرا.

ومع ما يلف كلا من تلك الفئتين من غموض وخفايا، تجد الفئة الصامتة التي لا حول لها ولا قوة متعطشة لأي إنجاز يسد احتياجاتها، ويزيد من فرص رفاهيتها. وفئة أخرى محور تفكيرها يتأصل حول الموضوعية؛ فما يحكم تحالفاتها هو القضايا التي تتفق إجماعا معها، واضعة نصب عينيها المصلحة العامة قدر استطاعتها. وما كان للعدول عن الصواب وفجور الخصومة إلا أن يزرع الشك عند هاتين الفئتين، مخلفا كلا منهما على هامش الأمل، لتنضما إلى تلك الجموع - المؤيدة والمعارضة - بقصد تحقيق مصالحهما وسد احتياجاتهما في زمن رفاهية لحظي اقترب أوان زواله.

«الله لا يغير علينا»، لطالما انتفعت هذه الفئة في هذه الحقبة، وفق أسسها المبنية على التملق والإشادة بما لا يستحق الإشادة به، من أجل إرضاء ما أسميناها الكوكبة. و«ارحل»؛ وقد رأت هذه الفئة الضرر فيها متفشيا على نفسها وعلى من هم حولها من بقية أبناء هذه الغابة، تحت ظل وضع يلزمها أن تسعى جاهدة لتكون عونا للضعيف، حامية لحقوقه من تلك المجموعة التي سمحت لنفسها أن تضطهد الضعفاء، بما يخدم تطلعاتها ومصالحها.

وإن كان الأمر نسبيا، ويختلف في موازنته من فرد إلى آخر، ومن زمن إلى آخر، فما الذي تبدل إذا؟ سواء شاؤوا أم أبوا، ها هي الكويت تواجه عصرها، وتشهد زمنا تسجل به تراجعا في خدماتها وتطلعاتها وسبل إدارتها الداخلية، بما يتجاوز المقرر في ميزانياتها. وقد مرت عبر أزمنة كان بها المعارض في يومنا هذا حليفا للحكومة، وأزمنة أخرى كان بها حليف اليوم معارضا لذات الحكومة، وإن اختلفت المعايير وتبدل الأشخاص، فالقضايا واحدة، والمشهد يعاد تكراره، ينتفع به من ينتفع، ويخسر به الوطن الذي صيروه بهمجية أفعالهم غابة يبطشون بها من غير تحكيم عقل ولا منطق.

إن التباين الذي تفرضه طبائع الناس وما ينطلقون منه من مبادئ يجعلهم منقسمين ما بين سمو أخلاق وعقلانية ومنطق، وما هو نقيض ذلك تماما. فما بين حب وكره وتقدير، ونكران وعطاء وتقاعس، وبذل وجحود وجود، وبخل ووفاء وخيانة وقناعة وجشع، يتلون الناس ويختلفون وفقا لطباعهم وشخصياتهم، وما يحكم ضمائرهم. فليس لهذا التباين أدنى حق في أن تسلم له الراية للمشاركة في إدارة الوطن، فما يجب أن يحكم هذا التباين في إدارة هذا الوطن هو النظام السياسي. وليس العيب بالضرورة كامنا في شخصك إن كنت فردا من تلك الكوكبة وتسببت في الفساد، وليس كذلك في المعارض الذي يفجر في الخصومة، والذي لم تكن له حجة جلية إلا بعد تشخيص قضاياه، إنما العيب في المنظومة التنفيذية - التشريعية التي سمحت وفق قانونها، قاصر التشريع، للكوكبة أن تقوم بما هو فاسد - وفق العقل والمنطق والأعراف - فساد قد تراه هي بأنه يأتي بحجة المصلحة العامة، وهذا قد يخدم قضايا، ولكنه في الوقت ذاته يضر بقضايا أكثر عمقا. منظومة تُسهّل تجييره خدمة لمصالح ذاتية.

يتبع ..

عبدالله سالم السلوم

alsalloumabdul@

contact@abdullah.com.kw


تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات