عادت مصر إلى سلوكها الأليف المدون في سجلات التاريخ منذ عصور الفراعنة وربما قبلها، في المسار المعتدل الذي يضع أولوياته في تنمية المواطنة الشاملة، انتماء واقتصاداً واستقرارا، مع البحث عن شبكة واسعة من الصداقات تغنيها عن المشاحنات وتفتح لها منابع متجددة من الدعم المتميز بالتفاهم والاطمئنان.

لم تكن مصر مؤذية لأحد ولم يكن أصحاب السلطة فيها من النشالين من حقوق الآخرين ولم يحملوا البنادق لابتزاز الجوار، بهذا الوعي المدرك لضرورات التطور جاء الرئيس السيسي، وبعزم ليفتح ملف الأولويات التي يحن لها شعب مصر، وأبرزها إغلاق الأبواب التي تحد من الانطلاق نحو التقدم، ومن أهمها التراث الذي سجلته ثورة يوليو 1952، والتي تحمل طموحات الوهج السياسي الاقليمي بكل ما فيه من جوانب مخابراتية واذاعاتية تنطلق منها حملات تشويه بمقاطع التعالي ونغمة النفوذ..

ومن الطبيعي أن يتحسس الآخرون ويتحصنون حماية من تلك القذائف غير المألوفة التي أدت إلى تباعد بين مصر والعرب الآخرين القادرين على الانضمام إلى صفوف المؤازرين لتنمية مصر.

وهنا يبرز موقف الرئيس أمام حقائق الجغرافيا ودروس التاريخ بأن انطلاق مصر لا يتم من دون نظام اقليمي عربي جامع يستند على الاطمئنان المتبادل والثقة الراسخة والتفاهم المطعم بلقاءات واتصالات ليس فيها انقطاع، وكل ذلك يأخذ الجميع إلى نظام عربي جديد خالياً من آفات الضحالة القيادية التي تمركزت في العراق وليبيا واليمن والسودان وسوريا، ولعبت دوراً في تخريب العلاقات العربية وعطلت موكب التطور في مصر وكانت من مسببات هزيمة 1967، ومن هدايا التاريخ التي حصدها الرئيس السيسي أنه شهد نهاية تلك المرحلة الممجوجة وتمعن في مسبباتها وأيقن بأن تخلي مصر عن هويتها التاريخية في الاعتدال والاحتضان أهم مسببات التعطيل، واحتكم في قراراته إلى العقلانية الراشدة في توفير عائد من العلاقات المتميزة مع الجميع خارج حدود مصر تستند على منافعية متبادلة وجهد مشترك لعلاج المعلقات المعطلة.

كما تعرف السيسي على الواقع الداخلي في جانبيه الاقتصادي والاجتماعي، واتخذ قراره غير المسبوق في تبني منهجية اقتصادية واجتماعية جديدة، وأبعد الايديولوجيات عن الشأن الاقتصادي وفتح القنوات المغلقة، مع تعويم العملة ومع تبني عوائد الاستثمار الخارجي بكسر القوانين الطاردة، مع سعي جاد لوحدة وطنية اجتماعية ليس فيها معزولون ولا مبعدون، وأكبر انجازاته الخروج من أثقال الدعم الذي شكل نسبة عالية من دخل الدولة، ولا ينكر أحد ان الضغوط الاقتصادية زادت لا سيما على الطبقة الفقيرة، لكن لا مفر من حتمية ضرورات الاصلاح مع اجراءات تخفيف من الاعباء على تلك الطبقة.

أنهى الرئيس السيسي حكم الاخوان في الوقت المناسب قبل أن تتحول مصر إلى منصة تصفيات لا تبتعد عما نراه في أفغانستان، وأعاد إليها الهوية المنحوتة في هيكل مصر المتوارث، وبدعم شعبي جامع، ورغم استمرار موجات الارهاب الذي يسعى لتعطيل الدولة وتدمير بنيتها، يظل الرئيس ملتزماً بما يمكن أن نسميه استراتيجية الصد والتعطيل، ولم يلجأ إلى تصفيات ارتجالية، وإنما حافظ على وقار الدولة رغم الاستفزازات المتواصلة.

والواضح أن الرئيس السيسي يسعى لتحقيق ما نسميه الدور المصري المحوري الاقليمي، ويعرف الرئيس عندما يقرأ مسار ثورة يوليو، بأن أهم شروط الحصول على ذلك الدور الذي كان ملازماً لطموحات الدبلوماسية المصرية، تطبيع العلاقات المصرية-العربية الشاملة المؤسسة على الاحترام المتبادل واحترام شرعية الأنظمة العربية واغلاق ملفات الشطحات المخابراتية والابتعاد عن التدخل في الشأن الداخلي.

قرأت ما سجلته د. هدى عبد الناصر عن الأوراق الخاصة بالرئيس جمال عبدالناصر، وخاصة الجزء الخامس وفيه من الحس الوطني لنهضة شاملة لكن هذا الشعور المتدفق أجهضته الأيديولوجيا الحالمة..

لم تستطع ثورة يوليو بناء علاقات عربية مصر مرتكزة على ثقة عميقة ودائمة، وإنما اختارت تقارب المزاج على حساب لقاء المصالح، كانت مرحلة مضت عانت مصر منها، كما كان يعاني المرحوم محمود رياض وزير خارجية مصر من 1963 إلى 1971، كان واعياً لمعاني التضامن العربي، عارفاً بشروطه، ساعياً لتحقيقه، لكنه مع الأسف بلا قوة ولم يجد من يسنده داخل آلية اتخاذ القرار، رأيته وجهوده الصادقة بعد الهزيمة، داخل ممرات الأمم المتحدة يبحث عن علاج لمأساة لم يستطع ايقاف حدوثها.

نعود إلى الملتقى الذي تنشده دبلوماسية السيسي في تأمين الدور المصري الاقليمي، وأهم بما فيه العمل الجماعي الهادئ المتميز بالاعتدال، هناك قضايا عربية شائكة، تحمل مصر مسؤوليات خاصة تجاهها، حماس في غزة وأبومازن في الضفة، وقضايا الجارة ليبيا والاسهام في استقرار السودان، هذه قضايا لها معان خاصة للأمن الوطني المصري، والحصيلة من هذه الرواية الخاصة أن وجود الرئيس السيسي في مصر ضمان لاعتدالها السياسي وتطورها الاقتصادي، ويظل إسهام مصر في استقرار المنطقة عاملاً أساسياً في منظومة الأمن العالمي الجماعي.

هناك من يشجع آليات التخريب ويدفع نحو الفوضوية الصاخبة بقصد إعياء صبر النظام وتعطيل إرادته، وهنا أشير إلى سلامة موقف الرئيس السيسي الذي يتمتع بحرص عربي وعالمي على حماية أمنه وإدامة استقرار مصر التاريخية التي استأنفت مسيرتها بعد عقود من الدوران المربك.

أقرأ الأوراق الخاصة بالرئيس جمال عبد الناصر واكتشف حجم الشكوى من عجز مساعديه على الانسجام مع منظوره الاشتراكي، فيضع خطوطا على أسماء مشاركيه في الثورة، وأقرأ محاضر لقائه مع المثقف الفرنسي الذي دعاه للاستفادة من تقييمه للوضع في مصر، فيشير هذا الخبير الماركسي العالم إلى غياب الحس الاشتراكي من الجهاز التنفيذي، ويحتار الرئيس في اختيار رئيس للوزراء فيلجأ إلى صدقي سليمان المشرف على بناء السد العالي، وبصراحة لم أكن أتصور عمق المعاناة لدى عبد الناصر لأن الرئيس استنجد بالموالين المقربين بدلاً من المؤهلين الناصحين، كانت حقبة عاشها الرئيس مملوءة بالألم والمعاناة، وتوفي الرئيس لمسببات كثيرة معظمها من صناعة أقرب الناس إليه..

قرأ الرئيس السيسي هذا الملف الذي يروي القصور في مسيرة مصر عبر ثلاثة عقود، فاستحضر وصفة العلاج الغائب..

عبدالله بشارة 

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات