«تعرف ايه عن المنطق؟» هي من بين أشهر جمل مسرحية مدرسة المشاغبين المقتبسة من الفيلم البريطاني «إلى المعلم مع الحب»، التي رسم عمالقة الفن العربي فيها لوحة ساخرة جسدت فساد التعليم وطرق إصلاحه، والآن وبعد مرور ستة وأربعين عاما سنجيب عن السؤال، الذي وجهته المعلمة سهير البابلي «عفت»، ولم يجب عنه الطالب الغني سعيد صالح «مرسي الزناتي»، لنقول ان المنطق، الذي وضع أرسطو منهجيته بعد أن أسسه سقراط وأفلاطون، هو علم تقييم الحجج والادلة للتمييز بين الافكار للوصول الى الحقائق، أما منطق الخلق والوجود فأصله في كتاب الله وسنة رسوله.

وطالما نحن نهتم بالتعليم، فلنناقش منطق الصيحات والفزعات الطلابية القبلية والحزبية والطائفية في انتخابات اتحادات الطلبة الأخيرة، التي طالما تحدث بالجامعة والتطبيقي، ولماذا تتفاقم هذه الظاهرة؟ وهل يلام عليها الطلبة؟ وللإجابة يجب أن نرجع الى واقع المجتمع الذي شكلت ملامحه الحكومة بصناعة ودعم التيارات والطوائف، بأشكال الدعم المالي، ودعم النفوذ عن طريق التعيينات بالمناصب الحكومية، التي تتزامن، بالنسبة للتيارات الدينية، بدعم مؤسسات مجتمع مدني تابعة لهم كاللجان الخيرية، فتتحكم معظم تلك الاحزاب بملايين العمل الخيري ومئات ملايين العمل الحكومي. كما ان هناك شكلا آخر من أشكال دعم تيارات المجتمع هو الدعم الانتخابي للوصول الى قبة البرلمان.

إن المنطق الصحيح يقول انك كي تصل الى منصب رفيع في الدولة ما عليك إلا أن تحمل شهادة من جامعة مرموقة، وتكون ذا سلوك حسن ومؤهلات وخبرة عالية، ولكن «المنطق الخاطئ» يقول: ان عليك أن تقصر ثوبك وتطيل لحيتك وتلصق في أحد المساجد لتبدأ كشبل حتى تكون من قيادات الحزب، او تزيد من نزعتك القبيلة أو الطائفية، ثم تكون أنت أو أحد أقاربك مفتاحا انتخابيا لمرشح برلمان لتقطعوا تذكرة الوصول إلى منصب حكومي كوكيل مساعد أو وزير، ولتنفتح لك جميع المعاملات الحكومية من علاج بالخارج، إلى التعيينات البراشوتية وترقيات وحتى إنهاء أصغر معاملة.

وعليه فإن الإجابة عن تلك الأسئلة واضحة بأن الشباب أصحاب الصيحات والنزعات الحزبية والقبلية والطائفية في الانتخابات الطلابية هم بالأحرى شباب أذكياء، فهموا حقيقة واقعنا المبني على «المنطق الخاطئ»، فلماذا يضيع الشباب والشابات والرجال والنساء أوقاتهم بالتعب والتعلم بالجامعات المرموقه، في حين أنهم سيحصلون على كل ما يريدون بأدوات الولاءات والنزعات والانتماءات التي لا علاقة لها بالتعليم؟

إنه ليس من السهل أن تحارب لإصلاح التعليم لسنوات وتنشأ مؤسسات مجتمع مدني مع نخبة من المتخصصين لهذ الغرض وتتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني الاخرى لتحقيق الاهداف، وتقدم مشاريع قوانين وتسعى لإقرارها ويتم إصدارها، وترفع الدعاوى القضائية وشكاوى لدى النيابة على أشخاص من حملة شهادات وهمية ومزورة، وكذلك أخرى على وزراء، وتوصل الأمر الى أصحاب القرار في الحكومة، ثم تنصدم بالنهاية بصدور قرار حكومي بتعيين هؤلاء الاشخاص بعينهم في مناصب حكومية عليا لأنهم ينتمون الى هذا الحزب أو تلك الطائفة.

إن التشخيص الواقعي لما نعيشه من سلوكيات والمبني على حجج وأدلة دامغة تجعلنا نميز الافكار للوصول الى الحقائق، ونجزم بأننا نعيش في مساحة «المنطق الخاطئ» المبني على قاعدة راسخة ترتكز على ركيزة أساسية تأخذ بالاعتبار كثيرا من المبادئ الخاطئة وأهمها مبدأ «التعليم في الزبالة».. لعنة على هيك منطق.

***

إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

بدر خالد البحر 

bdralbhr@yahoo.com

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات