المياه هي قلب التنمية، بل قل هي الحياة، وأهم الضروريات لبقاء الإنسان، وهي عماد كل حضارة ومهد النمو والازدهار. وفكرة أن المياه موفورة في كوكب الأرض – باعتبارأنها تغطي نحو %70 منه – فكرة خاطئة، وذلك لأن نسبة المياه العذبة من إجمالي كمية المياه الموجودة على سطح الأرض تبلغ %2.5 فقط، وأغلبية هذه الكمّيّة (نحو %99) موجودة في الكتل الجليديّة في المناطق القطبيّة، في حين توجد %0.3 من الماء العذب في الأنهار والبحيرات وفي الغلاف الجوّي. وهذا المورد المحدود يجب أن يدعم حياة 9.7 مليارات نسمة بحسب التوقعات عام 2050؛ وبحلول هذا التاريخ، سيعيش نحو 3.9 مليارات نسمة - أي أكثر من %40 من سكان العالم - في مناطق شبه جافة وتحت ضغط شديد في ما يخص توفير متطلباتهم اليومية من المياه.

في الواقع ليست زيادة عدد السكان فقط سبب زيادة الضغط على موارد المياه؛ فإذا كان عدد سكان العالم زاد ثلاث مرات في القرن العشرين، فإن استعمال المياه زاد ستة أضعاف بمعنى أن حركة التنمية بمفاصلها المتعددة سبب رئيسي لزيادة الطلب على المياه، حتى أن بعض التقارير تقدر احتياج المصانع إلى زيادة تقدر بنسبة %400 من المياه بحلول عام 2050، اضف إلى ذلك ما يخلفه تصاعد النزعة القومية في مختلف أنحاء العالم من تأثير على نصيب الفرد في المياه بمناطق بعينها، ولا تغيب عنا كذلك اعتبارات التغير المناخي وآثاره، وفي ظل التحديات المتوقع تفاقهما بالنسبة لقضية المياه، فإن تقارير تتوقع أنها ستصبح سلعة اقتصادية تباع بأسعار تضاهي أسعار النفط.

ليس هذا فقط بل إن قضايا المياه أصبح لها طابع جيوسياسي، وربما تتسبب في وقوع صراعات بين الدول وحروب، كما أنها أصبحت واحدة من أهم القضايا التي تطرح على موائد الزعماء وفي مطابخ الدبلوماسية، ولعلنا قريبون من مشاهد الصراع على المياه في المنطقة، واحد منها أصبح مشتعلاً في دهاليز العمل الدبلوماسي وأروقة المنظمات الدولية، ونقصد به الصراع بين أثيوبيا ودول حوض النيل بشأن سد النهضة.

هناك بعد أساسي آخر للمياه والاستدامة متصل بالنظم البيئية ودور المياه في تسهيل عملية تلك النظم التي توفر لنا موارد غذائية من إنتاج أسماك وتوافر البيئة الطبيعية للحياة الحيوانية وغيرها.

تحديات المياه تحتاج منا إلى حسن إدارة الموارد المائية والطاقة ووجود استراتيجيات خلاقة وغير مسبوقة يجري من خلالها تعظيم الاستثمار في هذا المجال، وإدخال القطاع الخاص كشريك محوري فيها بالشكل الذي يضمن الوفاء باحتياجات التنمية المستدامة.

وللحديث بقية.

محمد ناصر السنعوسي

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات