يعكس نظام دولة الرفاه أو دولة الرعاية الاجتماعية مفهوم اقتصادي اجتماعي متطور تعمل به كثير من الدول المتقدمة والحريصة على مد شبكة الأمان الاقتصادي والاجتماعي لرعاياها لتضمن لهم من خلالها توفير الخدمات الطبية والتعليمية وخدمات الإسكان وغيرها من متطلبات حياة الرفاه.. ومن هذه الدول ألمانيا وهولندا والدول الاسكندنافية وبعض دول أخرى بدرجات متفاوتة.

ومنذ منتصف القرن الماضي انضمت إلى نادي دول الرفاه بعض الدول التي حباها الله بالثروات النفطية، ومنها على وجه الخصوص الكويت، التي وفرت جُل الخدمات الحياتية لمواطنيها والمقيمين على أرضها.. استندت دول المجموعة الأولى في برامجها لتوفير الرعاية والرفاهية على أرضية اقتصادية إنتاجية صلبة واستطاعت حكوماتها أن توازن بين قطاع الإنتاج ومتطلبات هذه الرعاية المتقدمة لشعوبها. أما نحن فقد اعتمدت الدولة في توفير ذلك على مورد النفط الذي حبانا إياه المولى، ولكنه مورد ناضب استنزفناه - أو كدنا - لتوفير احتياجات الأجيال الحالية ومتطلباتها الضرورية - وهذا حق - ومطالبها الاستهلاكية التي فاقت جميع الحدود الاقتصادية المتعارف عليها بين دول العالم.

تزامن ذلك مع قصور واضح في تنمية موارد اقتصادية بديلة، بل حتى المورد الوحيد الآخر الذي نملكه بجانب النفط وهو الإنسان الكويتي المتعلم والمؤهل استطعنا بسياساتنا الخاطئة أن نحوله إلى إنسان مستهلك قليل الإنتاجية إلا ما رحم ربي.. فكدسنا الموظفين في المكاتب، وضاعفنا الكوادر لناس وأهملنا آخرين، ثم أحلنا المنتجين وذوي الخبرة إلى التقاعد المبكر اختياراً أو إجباراً.. ومازال السباق مستمراً بين السلطتين الحكومة والمجلس في تغذية متطلبات هذا السلوك الاستهلاكي حتى وصل الأمر إلى التعدي على المؤسسات المستقبلية كالتأمينات الاجتماعية في تسابق محموم لإقرار قوانين القروض الميسرة ثم الاستبدال بمقدار 7 أضعاف الراتب ثم 16 ضعفا وما زال باب المزاد مفتوحاً «بچم أقول؟».. للدفع بخراب المؤسسة ومضاعفة عجزها عن 17 مليار دينار المعلنة.. وشعار بعض النواب في ذلك «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»، فالكرسي أثمن من مستقبل الأجيال القادمة ومن قدسية المال العام الذي نتحسر يومياً على ما يطوله من هبش ونبش حتى أصبح ضحية للمفسدين والمتعدين عليه تارة وللمزايدين تارة أخرى في دولة كل «يرعى» من المال العام وليس له من سلطة ترعاه.

ما زال لدينا أمل في أصوات حرة في مجلس الأمة وضمائر واعية في مجلس الوزراء تقف أمام هذا الهدر الذي يستنزف ثروات وطننا ويتعدى على مقدرات أجيالنا حتى ولو كان بقانون وتشريع.. أملنا بالله وبهم بأن ينتصروا لمستقبل هذا البلد ويحافظوا على أمواله العامة ومدخرات الأجيال المستقبلية متأسين بما أنزل الله تعالى على لسان نبيه يوسف عليه السلام: «قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون (48)».. صدق الله العظيم

والله ولي التوفيق.

د. موضي عبدالعزيز الحمود

تعليقات

التعليقات:

اضف التعليق

الرجاء كتابة التعليق

شكرًا لتعليقك. سوف يتم نشر التعليق بعد مراجعتنا.

    إظهار جميع التعليقات